تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوحيد — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
كان يلبث الطعام في الجوف تهضمه المعدة ؟ ولولا الهاضمة كيف كان ينطبخ ( 1 ) حتى يخلص منه الصفو الذي يغذو البدن ويسد خلله ( 2 ) ولولا الدافعة كيف كان الثفل الذي تخلفه الهاضمة يندفع ويخرج أولا فأولا ؟ أفلا ترى كيف وكل الله سبحانه - بلطف صنعه وحسن تقديره - هذه القوى بالبدن ، والقيام بما فيه صلاحه . . . وسأمثل لك في ذلك مثالا : إن البدن بمنزلة دار الملك ، له فيها حشم ( 3 ) وصبية وقوام ( 4 ) موكلون بالدار ، فواحد لقضاء حوائج الحشم وإيرادها ( 5 ) عليهم ، وآخر لقبض ما يرد وخزنه ، إلى أن يعالج ويهيأ ، وآخر لعلاج ذلك وتهيئته وتفريقه ، وآخر لتنظيف ما في الدار من الأقذار وإخراجه منها ، فالملك في هذا هو الخلاق الحكيم ملك العالمين ، والدار هي البدن ، والحشم هم ( 6 ) الأعضاء ، والقوام هم ( 7 ) هذه القوى الأربع . ولعلك ترى ذكرنا هذه القوى الأربع وأفعالها - بعد الذي وصفت - فضلا وتزدادا ( 8 ) وليس ما ذكرته من هذه القوى على الجهة التي ذكرت في كتب الأطباء ولا قولنا فيه كقولهم ، لأنهم ذكروها على ما يحتاج في صناعة الطب وتصحيح الأبدان ، وذكرناها على ما يحتاج في صلاح الدين وشفاء النفوس من الغي ( 9 ) كالذي أوضحته بالوصف الشافي والمثل المضروب من التدبير والحكمة فيها .
هامش
( 1 ) انطبخ مطاوع طبخ تقول طبخ اللحم أي أنضجه . ( 2 ) الخلل جمع خلة - بالفتح - وهي القبة . ( 3 ) الحشم : الخدم والعيال أو من يغضبون له أو يغضب لهم من أهل وعبيد وجيرة . ( 4 ) لعل القوام جمع قيم إذ القيم على الأمر هو المتولي عليه . ( 5 ) أورده إيرادا أي أحضره المورد ثم استعمل المطلق الأحضار . ( 6 ) ( 7 ) في بعض النسخ هي . ( 8 ) لعل الأصل في الكلمة مزيدا من الزيادة أو تزيدا من قولك تزيد الرجل في حديثه أي زخرفة وزاد فيه على الحقيقة ، وتزيد في الشئ أي تكلف الزيادة فيه . ( 9 ) الغي : الضلال والهلاك والخيبة .
التوحيد — صفحة 37 | المفضل بن عمر الجعفي / كاظم المظفر