وينتفى عنه ما يثبت لها وعنها ( 1 ) ، والتضاد والتباين انما يقع بين الأشياء من حيث
خصوصياتها المميزة كلا منها عما سواه .
وإذا عرفت هذا فأقول : ولكل مناسبة ثابتة بين طالب ومطلوب رقيقة رابطة بينهما ،
هي مجرى حكم المناسبة وصورته وتجذب تارة من أحد الطرفين وتارة من كليهما . فمن طرف
العبد مع الحق سبحانه يسمى توجها بالسير والسلوك نحو الحق في زعم السالك
والطالب أو نحو ما يكون منه ، ومن جهة الحق سبحانه يسمى تدليا بتحبب وإجابة ،
والجذب والباعث من الطرفين يكون بسر المحاذاة والمقابلة المعنوية المظهرة حكم المناسبة
تماما ، والالتقاء يكون في الوسط ان اتحد زمان الانبعاثين وتحققت المحبة من الجهتين ، فكان
كل منهما محبا محبوبا ، ويسمى هذا اللقاء والحال عند المحققين بالمنازلة ، وان لم يكن اللقاء في
الوسط فإلى أي الجهتين كان أقرب ، حكم لصاحبه بالأولية في مرتبة المحبوبية وبالأخرية في
رتبة المحبية ، والأولية هنا للاسم الباطن والأخرية للظاهر ، وسواء كان هذا ( 2 ) الامر بين
مخلوقين أو بين حق وخلق ، ويزيد الطلب حيث يزيد العلم ، إذ المحبة التي هي أصل
الطلب تابعة للعلم ، تقوى بقوة العلم ، فيقوى اثرها .
وهذا الامر في رتبة السالك يسمى بالتنزل ما لم يقع الالتقاء في الوسط ولم يبلغه
السالك ، وان حصل الالتقاء بعد تجاوز الرتبة الوسطية المعبر عنها بالمنازلة ، سمى ذلك في
ذلك العبد السالك بالتداني ، وفي حق الرب بالتدلي . فالالتقاء في المنزل هو تنزل من الحق
إلى عبده - نظير العروج للعبد - فافهم . والمقصود من التلاقي والاجتماع وثمرتهما ( 3 )
هامش
( 1 ) - فيه لف ونشر مرتب ، والضمائر المذكرة ترجع إلى الامر الجامع ، والمؤنثة ترجع إلى الأشياء ، وقوله :
حكمه ، مبتداء خبره حكمها ، والجملة خبر لقوله : وللامر الجامع . وقوله : يثبت له . . . إلى آخره ، بيان للجملة
السابقة - ش ( 2 ) - أي الرقيقة الرابطة الجاذبة - ش ( 3 ) - بالرفع عطف على المقصود - ش