الموجودات عن الحق سبحانه على نحو ما سبق الشروع فيه .
فنقول : ثم تعين بعد انبعاث اللوح عن القلم الاعلى - كما مر ذكره - في مرآة النفس
الرحماني مرتبة الطبيعة من حيث ارتباطها وظهور حكمها في الأجسام وبها ، وذلك في الهباء
الأول المسمى عند بعضهم بالهيولي الكل وإليها تنتهى إحدى مراتب النكاح من وجه
وباعتبار ، ومن العرش إلى مقعر الفلك المكوكب الذي هو أحد وجهي الأعراف - أعني
الوجه الذي يلي جهنم - ينتهى حكم النكاح الثاني من وجه أيضا - كما مر - .
ثم يتنزل الامر على الترتيب إلى النكاح الرابع العنصري حتى ينتهى إلى الرتبة الخامسة
الجامعة المختصة بالانسان - كما سبق التلويح به - .
ثم للنكاحات أيضا تراكيب من هذه الأصول وتداخل ومزج ، والظاهر اثره في المولود
كان ما كان انما هو لأغلبها حكما فيه وأقواها نسبة به من حيث الناكح ومن حيثية النكاح ،
كما لوح به صلى الله عليه وآله في علة التذكير في المولود والتأنيث - بحسب غلبة ماء الرجل
ماء المرأة وسبقه وعلوه وبالعكس - وهنا اسرار يطول ذكرها ويحرم كشفها . ومن استحضر
ان ما ظهر في هذا الوجود العيني فإنما هو ظل ومثال لما سبق تعينه في الحضرات الروحانية
والغيب الإضافي والحضرة العلمية ، وتذكر خلق آدم على الصورة وخلق حواء منه ، واعتبر
نظائرهما كالعرش مع الكرسي واللوح مع القلم ، تنبه لبعض المراد إن شاء الله .
ثم تعين بعد معقولية مرتبة الهباء معقولية مرتبة الجسم الكل ، وأول صورة ظهر تعينها
فيه صورة العرش المحيط ، وانما قلت في الطبيعة والهباء والجسم الكل انه تعينت معقولية
مراتبها ولم أقل ثم ظهرت الطبيعة ولا ثم ظهر الهباء - وكذا الجسم الكل - من أجل ان كل
واحد من الثلاثة أمر غيبي كل لا تتعين له صورة في الخارج ، فهو لا يزال غيبا ، والحق
سبحانه له الوجود البحت الواحد ، فلا يظهر عنه الا وجود ، ولا يمكن ان يتعلق قدرته بما
لا وجود له في غيبه ليكون كذلك ، فان كل معلوم لله ، فهو كذلك ، أي لا وجود له في
غيبه ، بل في علم موجده لا غير ، وانما شأن القدرة اخراج الأشياء المعدومة من
مفتاح الغيب — صفحة 51
مساهمون: أبي المعالي القونوي
ص٥١