تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 458

مساهمون:

ص٤٥٨
واجتهد لهم في المشورة ؛ فإنّه بعد أن يئس من حقّه في الخلافة شقّ بنفسه طريق الموادعة ، وآثر مسالمة القائمين بالأمر ، فكان يرى عرشه - المعهود به إليه - في قبضتهم ، فلم يحاربهم عليه ، ولم يدافعهم عنه ، احتفاظا بالامّة ، واحتياطا على الملّة ، وضنّا بالدين ، وإيثارا للآجلة على العاجلة . وقد مني بما لم يمن به أحد ، حيث وقف بين خطبين فادحين : الخلافة بنصوصها وعهودها إلى جانب تستصرخه وتستفزّه إليها بصوت يدمي الفؤاد ، وشكوى تفتّت الأكباد ؛ والفتن الطاغية إلى جانب آخر تنذره بانتقاض الجزيرة ، وانقلاب العرب ، واجتياح الإسلام ، وتهدّده بالمنافقين من أهل المدينة ، وقد مردوا على النفاق ، وبمن حولهم من الأعراب ، وهم منافقون بنصّ الكتاب ، بل هم أشدّ كفرا ونفاقا ، وأجدر ألّا يعلموا حدود ما أنزل اللّه على رسوله ، وبأهل مكّة الطلقاء مضمري العداوة والبغضاء ، ومن كان على شاكلتهم من ضواري الفتنة ، وطواغي الغيّ وسباع الغارة وأعداء الحقّ ؛ وقد قويت بفقد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم شوكتهم ، إذ صار المسلمون بعده صلى الله عليه وآله وسلم كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية بين ذئاب عادية ووحوش ضارية . ومسيلمة الكذّاب ، وطليحة بن خويلد الدجّال ، وسجاح بنت الحارث الأفّاكة ، وأصحابهم قائمون - في محق الإسلام وسحق المسلمين - على ساق ، والرومان والأكاسرة وغيرهما من ملوك الأرض كانوا للمسلمين بالمرصاد ، إلى كثير من هذه العناصر الجيّاشة بكلّ حنق من محمّد وآله وأصحابه صلى الله عليه وآله وسلم ، وبكلّ حقد وحسيكة لكلمة الإسلام ، تريد أن تنقض أساسها ، وتستأصل شأفتها ، وإنّها لنشيطة في ذلك مسرعة متعجّلة ، ترى أنّ الأمر قد استتبّ لها ، وأنّ الفرصة بفقد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قد حانت ، فأرادت أن تسخّر تلك الفرصة وتنتهز تلك الفوضى قبل أن يعود الإسلام إلى قوّة وانتظام . فوقف أمير المؤمنين بين هذين الخطرين ، فكان من الطبيعي له أن يضحّي حقّه قربانا لدين الإسلام ، وإيثارا للصالح العامّ ، لذلك قعد في بيته فلم يبايع حتّى أخرجوه كرها ، احتفاظا بحقّه واحتجاجا على المستأثرين به وعلى أوليائهم إلى يوم القيامة . ولو أسرع إلى البيعة ما قامت له بعد حجّة ، ولا سطع لأوليائه برهان ، لكنّه جمع فيما فعل بين حفظ الدين والمسلمين والاحتفاظ بحقّه في إمرة المؤمنين ، فدلّ هذا على أصالة
موسوعة الإمام السيد عبدالحسين شرف الدين — صفحة 458 | السيد عبد الحسين شرف الدين / مركز العلوم والثقافة الإسلامية