وما أشرف موقف عبد اللّه بن رواحة ؛ إذ يشجّع نفسه في مقابلة مائتي ألف من عدوّه فيقول :
يا نفس إن لم تقتلي تموتي * هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنّيت فقد أعطيت * إن تفعلي فعلهما هديت
وقال :
أقسمت يا نفس لتنزلنّه * طائعة أو لا لتكرهنّه
إن أجلب الناس وشدّوا الرنّة * ما لي أراك تكرهين الجنّة
قد طالما قد كنت مطمئنّة * هل أنت إلّا نطفة في شنّة « 1 »
ثمّ نزل عن فرسه وأتاه ابن عمّ له بعرق « 2 » من لحم ، فقال له : شدّ بهذا صلبك ، فقد لقيت ما لقيت ، فأخذه فانتهس منه نهسة ، ثمّ سمع الحطمة في ناحية العسكر ، فقال لنفسه : وأنت في الدنيا ؟ ثمّ ألقاه ، وأخذ سيفه ، وتقدّم فقاتل حتّى قتل « 3 » .
وكان بعض المسلمين من هذا الجيش - إذ علم أنّ عدوّهم الناهد إليهم مائتا ألف - رأى أن يخبر رسول اللّه بذلك ، فشجّعهم عبد اللّه بن رواحة على المضيّ بقوله :
واللّه ، ما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلّا بهذا الدين الذي أكرمنا اللّه تعالى به ، فانطلقوا فما هي إلّا إحدى الحسنيين ، إمّا ظهور ، وإمّا شهادة « 4 » .
فقال الناس : صدق واللّه ، وساروا فما ضعفوا وما استكانوا « 5 » .
هامش
( 1 ) - . راجع تاريخ الطبري 39 : 3 - 40 حوادث سنة 8 ؛ الكامل في التاريخ 236 : 2 - 237 حوادث سنة 8 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 69 : 15 - 70 .
( 2 ) - . العرق : العظم بلحمه . العين 154 : 1 ، « ع . ر . ق » .
( 3 ) - . تاريخ الطبري 40 : 3 حوادث سنة 8 ؛ الكامل في التاريخ 237 : 2 حوادث سنة 8 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 70 : 15 .
( 4 ) - . المغازي للواقدي 760 : 2 ؛ الكامل في التاريخ 235 : 2 ، حوادث سنة 8 .
( 5 ) - . تاريخ الطبري 37 : 3 - 38 ، حوادث سنة 8 .