تلك الدماء المسفوكة إنّما هم مشايخ قريش كأبي سفيان وأبي جهل وأضرابهما الذين غزوه - وهو في مهجره الذي فرّ منهم إليه - فاضطرّوه إلى دفع عدوانهم عنه وعن أصحابه ، ولو كفّوا عنه وعن الذين آووه ونصروه ، لكفّ عنهم مقتصرا في دعوته إلى دينه بالحكمة والموعظة الحسنة .
أطفأ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية وقدة قلوب هؤلاء المشركين ، واستلّ سخائمهم « 1 » ، وأزال أضغانهم ، وأغراهم بسادتهم وكبرائهم ، حتّى أيقنوا بعدوانهم عليه ، وجنايتهم على أنفسهم ؛ وبهذا لانت قلوبهم مطمئنّة بحسن عواقبهم معه إذا انضمّوا إلى لوائه ، معتصمين بولائه ، حكمة بالغة ، أعقبت الفتح المبين ، والنصر العزيز ، ودخول الناس في دين اللّه أفواجا .
رجوعه
صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة
كانت إقامته في الحديبية تسعة عشر يوما ، قفل « 2 » بعدها إلى المدينة ، فلمّا كان بكراع الغميم - موضع بين الحرمين - نزلت عليه سورة الفتح ، وعمر لا يزال حينئذ آسفا من صدّ المشركين إيّاهم عن مكّة ، ورجوعهم وهم على خلاف ما كانوا يأملون من الفتح ، فأراد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حين نزلت عليه السورة أن يزيل بثّ عمر ، ويذهب برحاء صدره « 3 » ، فقال له - كما في صحيح البخاري بالإسناد إليه ( 1 ) - : « لقد أنزلت عليّ سورة هي أحبّ إليّ ممّا طلعت عليه الشمس » ثمّ قرأ : «
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
» « 4 » .
شرح
( 1 ) من حديث تجده في باب غزوة الحديبية من الجزء الثالث من الصحيح « 5 » .
هامش
( 1 ) - . السخائم ، جمع السّخيمة : وهي الحقد والضغينة . المعجم الوسيط : 422 ، « س . خ . م » .
( 2 ) - . قفل من السفر : رجع . المعجم الوسيط : 752 ، « ق . ف . ل » .
( 3 ) - . أي يذهب بغضبه . المعجم الوسيط : 47 ، « ب . ر . ح » .
( 4 ) - . الفتح 1 : 48 .
( 5 ) - . صحيح البخاري 1531 : 4 ، ح 3943 ، و 1829 - 1830 ، ح 4553 ، و 1915 ، ح 4725 .