شرح
والتخمين فكيف يجعله الشارع معياراً . والتواري من باب التفاعل مأخوذ فيه كونه
من الطرفين كباب المفاعلة وإن كان أحدهما فاعلا والآخر مفعولا ، فالمراد من
الصحيح أنّه إذا توارى عن البيوت تكون البيوت متوارية عنه فيعتبر المكلّف
تواريها عنه .
وأيضاً لو كان المراد تواريه عن البيوت لاحتاج إلى تقدير في الكلام كأن
يقال عن ناظر في البيوت أو مَن في البيوت والأصل عدم التقدير ، فمن عبّر
كالصحيح جعل الطرف الآخر مَن في البيوت لا نفس البيوت كما ستسمع كلامهم
بخلاف الأصحاب فإنّهم جعلوه نفس البيوت كما هو الظاهر من الحديث ، فلذا
اعتبر تواريها مع أنّ المناسب على قول المخالف أن يقال : أن يتوارى مَن في
البيوت عنه ، لأنّه تعريف له في بلوغه حدّ الترخص لا تعريف لأهل البيوت فإنّ
معرفتهم كيف تنفعه إلاّ أن تكون بتخمين ، على أنّه على تقدير حصول المعرفة على
سبيل التحقيق لا وجه للحوالة على التخمين ، ووجه تمكّنه من المعرفة على سبيل
التحقيق أنّه إذا نظر إلى أهل ا لبيوت ولم ير أحداً علم أنّه توارى عنهم ، لأنّ الغالب
تساوي الأشخاص والأنظار .
فالمعتبر هو الخفاء عن نفس البيوت لا عن أهلها ، لأنّ القصر إنّما يجب
على المسافر المقابل للحاضر والمعتبر حضور بيته ومنزله كما ينبّه عليه
قولهم ( عليهم السلام ) « الأعراب يتمّون ، لأنّ بيوتهم معهم ، ومنازلهم معهم ( 1 ) » فالمعتبر هو
الغَيبة عن نفس البيوت لا عن أهلها ، إذ ربّما كان أهلها معه في السفر وهو غير
حاضر . فالتواري هو الغَيبة والغائب في مقابلة الحاضر ، ولهذا اعتبر الشارع ذلك ،
ولم يقل تتوارى عنه البيوت وتغيب عنه وإن كان المآل واحد ، كذا أفاد الأُستاذ ( قدس سره )
في « المصابيح » .
ثمّ قال ( قدس سره ) : لو كان خفاء الصوت معتبراً لقال المعصوم ( عليه السلام ) إذا لم يسمع صوت
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ب 11 من أبواب صلاة المسافر ح 5 و 6 ج 5 ص 516 .