تعالى فمعناه معنى القدير ، وإذا استعمل في البشر
فمعناه المتكلف والمكتسب للقدرة ، يقال
قدرت على كذا قدرة ، قال : ( لا يقدرون
على شئ مما كسبوا ) والقدر والتقدير تبيين
كمية الشئ يقال قدرته وقدرته ، وقدره
بالتشديد أعطاه القدرة يقال قدرني الله على كذا
وقواني عليه فتقدير الله الأشياء على وجهين ،
أحدهما : بإعطاء القدرة ، والثاني : بأن يجعلها
على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما
اقتضت الحكمة ، وذلك أن فعل الله تعالى
ضربان : ضرب أوجده بالفعل ، ومعنى إيجاده
بالفعل أن أبدعه كاملا دفعة لا تعتريه الزيادة
والنقصان إلى أن يشاء أن يفنيه أو يبدله
كالسماوات وما فيها . ومنها ما جعل أصوله
موجودة بالفعل وأجزاءه بالقوة وقدره على
وجه لا يتأتى منه غير ما قدره فيه كتقديره
في النواة أن ينبت منها النخل دون التفاح
والزيتون ، وتقدير منى الانسان أن يكون منه
الانسان دون سائر الحيوانات . فتقدير الله
على وجهين ، أحدهما بالحكم منه أن يكون
كذا أو لا يكون كذا ، إما على سبيل الوجوب
وإما على سبيل الامكان . وعلى ذلك قوله
( قد جعل الله لكل شئ قدرا ) . والثاني :
بإعطاء القدرة عليه . وقوله ( فقدرنا فنعم
القادرون ) تنبيها أن كل ما يحكم به فهو
محمود في حكمه أو يكون من قوله ( قد جعل
الله لكل شئ قدرا ) وقرئ ( فقدرنا )
بالتشديد وذلك منه أو من إعطاء القدرة ، وقوله
( نحن قدرنا بينكم الموت ) فإنه تنبيه أن
ذلك حكمة من حيث إنه هو المقدر وتنبيه أن
ذلك ليس كما زعم المجوس أن الله يخلق
وإبليس يقتل ، وقوله ( إنا أنزلناه في ليلة
القدر ) إلى آخرها أي ليلة قيضها لأمور
مخصوصة . وقوله : ( إنا كل شئ خلقناه
بقدر ) وقوله : ( والله يقدر الليل والنهار
علم أن لن تحصوه ) إشارة إلى ما أجرى من
تكوير الليل على النهار وتكوير النهار على
الليل ، وأن ليس أحد يمكنه معرفة ساعاتهما
وتوفية حق العبادة منهما في وقت معلوم ،
وقوله ( من نطفة خلقه فقدره ) فإشارة إلى
ما أوجده فيه بالقوة فيظهر حالا فحالا إلى
الوجود بالصورة ، وقوله ( وكان أمر الله قدرا
مقدورا ) فقدر إشارة إلى ما سبق به القضاء
والكتابة في اللوح المحفوظ . والمشار إليه بقوله
عليه الصلاة والسلام : " فرغ ربكم من
الخلق والأجل والرزق " ، والمقدور إشارة
إلى ما يحدث عنه حالا فحالا مما قدر وهو المشار
إليه بقوله ( كل يوم هو في شأن ) وعلى ذلك
قوله : ( وما ننزله إلا بقدر معلوم ) قال
أبو الحسن : خذه بقدر كذا وبقدر كذا ،
وفلان يخاصم بقدر وقدر ، وقوله :
( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره )
المفردات في غريب القرآن — صفحة 395
مساهمون: الراغب الأصفهاني
ص٣٩٥