حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل -
يحكم به ذوا عدل منكم ) وقال :
فاحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت *
إلى حمام سراع وارد الثمد
الثمد الماء القليل . وقيل معناه كن حكيما ،
وقال عز وجل : ( أفحكم الجاهلية يبغون )
وقال تعالى : ( ومن أحسن من الله حكما
لقوم يوقنون ) ويقال حاكم وحكام لمن
يحكم بين الناس ، قال الله تعالى : ( وتدلوا
بها إلى الحكام ) والحكم المتخصص بذلك
فهو أبلغ قال الله تعالى : ( أفغير الله أبتغي
حكما ) وقال عز وجل : ( فابعثوا حكما
من أهله وحكما من أهلها ) وإنما قال حكما
ولم يقل حاكما تنبيها أن من شرط الحكمين
أن يتوليا الحكم عليهم ولهم حسب ما يستصوبانه
من غير مراجعة إليهم في تفصيل ذلك ، ويقال
الحكم للواحد والجمع وتحاكمنا إلى الحاكم ،
قال تعالى : ( يريدون أن يتحاكموا إلى
الطاغوت ) وحكمت فلانا ، قال تعالى : ( حتى
يحكموك فيما شجر بينهم ) فإذا قيل حكم
بالباطل فمعناه أجرى الباطل مجرى الحكم
والحكمة إصابة الحق بالعلم والعقل ، فالحكمة من
الله تعالى معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الاحكام ،
ومن الانسان معرفة الموجودات وفعل الخيرات
وهذا هو الذي وصف به لقمان في قوله عز وجل
( ولقد آتينا لقمان الحكمة ) ونبه على جملتها
بما وصفه بها . فإذا قيل في الله تعالى هو حكيم
فمعناه بخلاف معناه إذا وصف به غيره ، ومن
هذا الوجه قال الله تعالى : ( أليس الله بأحكم
الحاكمين ) وإذا وصف به القرآن فلتضمنه
الحكمة نحو : ( الر تلك آيات الكتاب
الحكيم ) وعلى ذلك قال ( ولقد جاءهم من
الانباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة ) وقيل معنى
الحكيم المحكم نحو : ( أحكمت آياته )
وكلاهما صحيح فإنه محكم ومفيد للحكم ففيه
المعنيان جميعا . والحكم أعم من الحكمة
فكل حكمة حكم وليس كل حكم حكمة ،
فإن الحكم أن يقضى بشئ على شئ فيقول
هو كذا أوليس بكذا ، قال صلى الله عليه وسلم :
" إن من الشعر لحكمة " أي قضية صادقة
وذلك نحو قول لبيد :
* إن تقوى ربنا خير نفل *
قال الله تعالى : ( وآتيناه الحكم صبيا ) ،
وقال صلى الله عليه وسلم : " الصمت حكم ،
وقليل فاعله " : أي حكمة ، ( ويعلمهم
الكتاب والحكمة ) ، وقال تعالى :
( واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات
الله والحكمة ) ، قيل تفسير القرآن
ويعنى ما نبه عليه القرآن من ذلك ( إن الله
يحكم ما يريد ) أي ما يريده يجعله حكمة
وذلك حث للعباد على الرضى بما يقضيه . قال
ابن عباس رضي الله عنه في قوله ( من آيات الله
المفردات في غريب القرآن — صفحة 127
مساهمون: الراغب الأصفهاني
ص١٢٧