بها كلّ مستغلق كان علينا ، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم ، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم ، لقد خسي حظنا من الحكمة ، وصعبت سبلنا إلى المعرفة ، ولو ألجئنا إلى قدر قوتنا ، ومبلغ خواطرنا ، ومنتهى تجاربنا لما أدركته حواسّنا ، وشاهدته نفوسنا ، لقد قلّت المعرفة ، وقصرت الهمّة ، وانتقصت المنّة ، وعاد الرأي عقيماً ، والخاطر سقيماً ، ولَكَلَّ الحدّ وتبلّد العقل . فإنّ الكتاب نعمة الذخر والعقد ، ونعم الجليس والقعدة ، ونعم النشرة والنزهة ، ونعم المشتغل والحرفة ، ونعم الأنيس في ساعة الوحدة ، ونعم المعرفة ببلاد الغربة ، ونعم القرين والرحيل ، ونعم الوزير والنزيل . والكتاب وعاء ملئ علماً ، وظرف حشي طرفاً ، وإناء شحن مزاحاً وجداً ، إن شئت كان أبين من سحبان وائل ( 1 ) ، وإن شئت كان أعيى من بأقل ( 2 ) ، وإن شئت ضحكت من نوادره ، وان شئت أشجتك مواعظه ، ومن لك بواعظ ملهي ، وبزاجر مغرٍ ، وبناسك فاتك ، وبناطق أخرس ( 3 ) ، وبمونس لا ينام إلا بنومك ، ولا ينطق إلا بما تهوى ، آمن من في الأرض ، وأكتم للسرّ ، وأضبط لحفظ الوديعة من أرباب الوديعة ( 4 ) .
السرائر ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 101
مساهمون: ابن إدريس الحلي
ص١٠١
هامش
( 1 ) - سحبان وائل : خطيب يضرب به المثل في حسن البيان وطلاقة اللسان ، فيقال : أخطب من سحبان ، وأفصح من سحبان ، أدرك الجاهلية والإسلام فهو مخضرم ، توفي سنة 54 ه . الأعلام 3 : 123 .
( 2 ) - بأقل : جاهلي من أياد ، يضرب به المثل في العيّ ، فيقال : أعيى من بأقل ، وذلك انّه اشترى ظبياً بأحد عشر درهماً ، فمرّ بقوم فسألوه : بكم اشتريته ؟ فمدّ لسانه وفتح يديه يريد أحد عشر درهماً فشرد الظبي منه . الأعلام 2 : 7 .
( 3 ) - قارن المحاسن والأضداد للجاحظ : 5 .
( 4 ) - المصدر السابق نفسه .