قال الزجاج : كان سبب نزول هذه الآية أنّ الأغنياء كانوا يستخلون النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيسارونه بما يريدون ، والفقراء لا يتمكنون من النبيّ تمكنهم . ففرض الله عليهم الصدقة قبل النجوى ليمتنعوا من ذلك ، وتعبّدهم بأن لا يناجي أحد رسول الله إلاّ بعد أن يتصدّق بشيء ما قل أم كثر ، فلم يفعل أحد ذلك على ما روي ، فاستقرض أمير المؤمنين علي عليه السلام ديناراً وتصدّق به ثم ناجى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فنسخ الله تعالى ذلك الحكم بالآية التي بعدها ( 1 ) .
هامش
( 1 ) - لقد أتفق المفسّرون من العامة فضلاً عن الخاصة على أنّه لم يعمل أحد بآية النجوى غير الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وعمله كان أحد مختصاته التي تمنّى ابن عمر واحدة من ثلاث منها فقال : كان لعلي ثلاث لو كانت لي واحدة منهنّ كانت أحبّ إليّ من حُمر النعَم : تزويجه فاطمة ، وإعطاؤه الراية يوم خيبر ، وآية النجوى . ( الكشاف 3 : 210 ، القرطبي 1 : 302 ) وذكرا في سبب نزولها : أنّ الناس أكثروا مناجاة رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بما يريدون حتى أملّوه وأبرموه ، فأريد أن يكفّوا عن ذلك فأمروا بأن من أراد أن يناجيه قدّم قبل مناجاته صدقة . ورووا عن علي عليه السلام أنّه قال : ( لمّا نزلت دعاني رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ( فقال : ما تقول في دينار ؟ قلت : لا يطيقونه ، قال : فالنصف ؟ قلت : لا يطيقونه ، قال : كم ؟ قلت : حبة أو شعيرة ، قال : انّك لزهيد ) ( ومعنى شعيرة وزن شعيرة من ذهب ) فلما رأوا ذلك اشتد عليهم فارتدعوا وكفّّوا ، أمّا الفقير فلعسرته ، وأمّا الغني فلشحته وبخله ، وقالوا : كان ذلك عشر ليال ثم نسخ ، وقيل ما كان إلاّ ساعة من نهار . وهذا ليس بشيء إذا قرأنا ما رووه عن علي عليه السلام أنّه قال : ( إنّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد من قبلي ولا يعمل بها أحد من بعدي ، كان لي دينار فصرفته ، فكنت إذا ناجيته تصدّقت بدرهم وسألت رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عشر مسائل فأجابني عنها .
قلت : يا رسول الله ما الوفاء ؟ قال : التوحيد وشهادة أن لا إله إلاّ الله .
قلت : وما الفساد ؟ قال : الكفر والشرك بالله .
قلت : وما الحقّ ؟ قال : الإسلام والقرآن والولاية إذا انتهت إليك .
قلت : وما الحيلة ؟ قال : ترك الحيلة .
قلت : وما عليّ ؟ قال : طاعة الله وطاعة رسوله .
قلت : وكيف أدعو الله ؟ قال : بالصدق واليقين .
قلت : وماذا أسأل الله ؟ قال : العافية .
قلت : وما أصنع لنجاة نفسي ؟ قال : كل حلالاً وقل صدقاً .
قلت : وما السرور ؟ قال : الجنّة .
قلت : وما الراحة ؟ قال : لقاء الله ، فلما فرغت منها نزل نسخها ) .
وجاء في روح المعاني 28 : 28 : ولم يعمل بها على المشهور غيره كرّم الله وجهه ، أخرج الحاكم وصححه وابن المنذر وعبد بن حميد وغيرهم عنه كرّم الله تعالى وجهه أنّه قال : انّ في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي ، كان لي دينار فصرفته ، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم اه .
قال الرازي : وروى ابن جريج والكلبي وعطاء عن ابن عباس أنّهم نهوا عن المناجاة حتى يتصدّقوا فلم يناجيه أحد إلاّ علي عليه السلام تصدّق بدينار ثم نزلت الرخصة .
وقال الكلبي : تصدّق به في عشر كلمات سألهنّ رسول الله صلّى الله عليه ( وآله ) وسلم .
وقال مجاهد : لم يناجيه إلاّ عليّ قدّم ديناراً فتصدّق به فسأله عن عشرة خصال ثم نزلت الرخصة .
وقال مقاتل بن سليمان : ناجاه عليّ بدينار باعه بعشرة دراهم في عشر كلمات كلّ كلمة بدرهم .
وقال الرازي : قال القاضي والأكثر في الروايات أنّه ( عليه السلام ) تفرّد بالتصدّق قبل مناجاته ثم ورد النسخ ، وإن كان قد روي أيضاً إنّ أفاضل الصحابة وجدوا الوقت وما فعلوا ذلك .
راجع بشأن ما تقدّم التفاسير التالية في تفسير الآية 12 من سورة المجادلة .
تفسير الطبري والزمخشري والماوردي وابن الجوزي والقرطبي وابن كثير والرازي وأبي حيان والبيضاوي والخازن والشربيني والنسفي وفيه خاصة ذكر المسائل التي سأل الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن قدّم صدقة لكلّ سؤال راجع 4 : 235 ط دار احياء الكتب العربية بمصر ، وعنها ط دار الفكر بيروت . وكذا ط بهامش تفسير الخازن 4 : 242 ط الميمنية بمصر سنة 1317 ه وأخرجها الحمويني في فرائد السمطين 1 : 358 359 نقلاً عن تفسير مطلع المعاني للإمام حسام الدين محمّد بن عثمان بن محمّد العلي آبادي .