تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠

وقوله : * ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ) * بيّن تعالى أنّ الإنفاق قبل الفتح في سبيل الله إذا انضم إليه الجهاد في سبيله كان أكثر ثواباً عند الله ، والمراد بالفتح فتح مكة ( 1 ) . وليس في الآية دلالة على فضل إنسان بعينه ممن يدّعى له الفضل ، لأنّه يحتاج إلى أن يثبت أنّ له الإنفاق قبل الفتح ، وذلك غير ثابت ، ويثبت أنّ له القتال بعده ولمّا يثبت ذلك أيضاً ، فكيف يستدلّ به على فضله ( 2 ) .

هامش
( 1 ) - نفس المصدر .
( 2 ) - إشارة إلى رواية الكلبي قال : نزلت الآية في أبي بكر ، والكلبي هذا أحد الكذابين والآخر السدي عندهم . وقال أبو حاتم : الناس مجمعون على ترك حديثه هو ذاهب الحديث لا يشتغل به ، إلى آخر ما ورد فيه كما في تهذيب التهذيب 9 : 178 ط حيدر آباد ، فكيف قبلوا روايته في المقام وذكروها في تفاسيرهم . ولعلّ أحوطهم كان الزمخشري وأبو حيان حين نسبا الرواية إلى القيل ولم ينسباها إلى الكلبي . الكشاف : 201 ، البحر المحيط 7 : 219 ط دار الفكر ، لكن القرطبي 17 : 240 ، والخازن 4 : 228 ، والواحدي في البسيط ، والرازي في تفسيره 8 : 124 ط العامرة ، وغيرهم نسبوها إليه ، أمّا البيضاوي وأبو السعود فأرسلا ذلك إرسال المسلّمات ، وزاد ابن الجوزي على ذلك فقال : قال المفسّرون : نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ، وتصاعدت حمّى المزايدات عند ابن كثير فقال : ولا شك عند أهل الإيمان انّ الصدّيق أبا بكر له الحظ الأوفر من هذه الآية ، فإنّه سيّد من عمل بها من سائر أمم الأنبياء ، فإنّه أنفق ماله كلّه ابتغاء وجه الله ( عزّ وجل ) ، ولم يكن لأحد عنده نعمة يجزيه بها . وجرى الآلوسي نفس المنوال في تحبير المقال وقال في تفسيره 27 : 150 : والآية على ما ذكره الواحدي عن الكلبي نزلت في أبي بكر الصديق أي بسببه ، وأنت تعلم أنّ خصوص السبب لا يدلّ على تخصيص الحكم ، فلذلك قال أولئك ليشمل غيره ( رضي الله عنه ) ممن اتصف بذلك ، نعم هو أكمل الأفراد ، فإنّه أنفق قبل الفتح وقبل الهجرة جميع ماله ، وبذل نفسه معه عليه الصلاة والسلام . وهلم الخطب في الرازي المفسّر الشهير القدير حيث تنازعه الموروث والحقائق ، فحاول جاهداً بحجة الجمع بينهما ولو دفعاً بالصدر ، اخضاع الحقائق للموروث ، فجاء بما لم يستطعه الأوائل ، ( ( فذكر الآية في تفسيره 8 : 124 ط العامرة فقال : المسألة الثانية قال الكلبي : نزلت هذه الآية في فضل أبي بكر الصديق لأنّه كان أول من أنفق المال على رسول الله في سبيل الله ، قال عمر : كنت قاعداً عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبو بكر عليه عباءة قد خلّلها في صدره بخلال ، فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال : ما لي أرى أبو بكر وعليه عباءة خللها في صدره ؟ فقال : أنفق ماله عليّ قبل الفتح . واعلم أنّ الآية دلّت على أنّ من صدر عنه الإنفاق في سبيل الله والقتال مع أعداء الله قبل الفتح يكون أعظم حالاً ممن صدر عند هذان الأمران بعد الفتح ، ومعلوم أنّ صاحب الإنفاق هو أبو بكر وصاحب القتال هو عليّ ، ثم أنّه تعالى قدّم صاحب الإنفاق في الذكر على صاحب القتال ، وفيه إيماء إلى تقديم أبي بكر ، ولأنّ الإنفاق من باب الرحمة والقتال من باب الغضب ، وقال تعالى : سبقت رحمتي غضبي ، فكان السبق لصاحب الإنفاق ، فإن قيل : بل صاحب الإنفاق هو عليّ لقوله تعالى : * ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ) * قلنا : اطلاق القول بأنّه أنفق لا يتحقّق إلاّ إذا أنفق في الوقائع العظيمة أموالاً عظيمة . وذكر الواحدي في البسيط أنّ أبا بكر كان أول من قاتل على الإسلام ، وذلك لأنّ عليّاً في أول ظهور الإسلام كان صبياً صغيراً ولم يكن صاحب القتال ، وأما أبو بكر فإنّه كان شيخاً مقدّماً وكان يذب عن الإسلام ، حتى ضرب بسببه ضرباً أشرف به على الموت . أقول : ومن يخلق ما يقول فحيلتي فيه قليلة . وأنا لا أريد أن أخوض في هذا المقام بالنقض والإبرام ، ولكن كان على هؤلاء الأعلام أن يأتوا بشاهد واحد في الإنفاق من أبي بكر ، وشاهد واحد منه في بذل النفس في موقف من المواقف ، ولو كان لبان ، ففي مكة كان أبوه أجيراً لابن جدعان ينادي على دارته بدراهم معدودة ، ولو كانت لابنه أموال لصانه بها عن ذلك العمل المشين المهين ، وفي المدينة كان يخرجه الجوع وقت الهاجرة - ومثله عمر - وقد رآهما رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في المسجد فقال : يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة ؟ قال : ما أخرجني إلاّ ما أجد من حاق الجوع ( موارد الظمآن بزوائد ابن حبان 1 : 627 ) وستأتي في سورة المجادلة آية التصدق قبل مناجاة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد بخل أن يقدّم شيئاً . وأمّا عن بذل النفس الّذي ذكر القرطبي فيه خبراً عن ابن مسعود : أول من أظهر الإسلام بسيفه النبيّ وأبو بكر . . . وهذا ما يكذبه واقع الوقائع ، ففي بدر قالوا كان في العريش ، وفي أحد فرّ منهزماً ، وفي خيبر رجع منهزماً ، ولقد مرّت الإشارة إلى ذلك قريباً . * ( فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) * 46 : الحج .