تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠

ولو أنّ إنساناً رفع صوته على صوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على وجه التعظيم له والإجابة لقوله لم يكن مأثوماً ، وقد فسّر ذلك بقوله : * ( وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ) * فإنّ العادة جارية أنّ من كلّم غيره فرفع صوته فوق صوته أنّ ذلك دالّ على وجه الاستخفاف به ، فلذلك نهاهم عنه ( 1 ) . وجهر الصوت أشدّ من الهمس ، ويكون شديداً وضعيفاً ووسطاً ، والجهر ظهور الصوت بقوة الاعتماد ، ومنه الجهارة في المنطق ( 2 ) . فصل قوله : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ { 6 } ) * الآية : 6 .

قال ابن عباس ومجاهد ويزيد بن رومان وقتادة وابن أبي ليلى : نزلت الآية في الوليد بن عقبة بن أبي معيط لما بعثه رسول الله في صدقات بني المصطلق ، خرجوا يتلقّونه فرحاً به وإكراماً له ، فظنّ أنّهم همّوا بقتله ، فرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : انّهم منعوا صدقاتهم وكان الأمر بخلافه ( 3 ) .

هامش
( 1 ) - قارن 9 : 340 .
( 2 ) - نفس المصدر .
( 3 ) - قال الزمخشري في الكشاف 3 : 148 ط مصطفى البابي الحلبي سنة 1367 ه‍ : بعث رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الوليد بن عقبة - أخا عثمان لأمه ، وهو الّذي ولاّه عثمان الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص فصلّى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعاً ثم قال : هل أزيدكم ؟ فعزله عثمان عنهم - مصدّقاً إلى بني المصطلق ، وكانت بينه وبينهم إحنة ، فلما شارف ديارهم ركبوا مستقبلين له ، فحسبهم مقاتليه فرجع وقال لرسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : قد ارتدوا ومنعوا الزكاة ، فغضب رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهمّ أن يغزوهم ، فبلغ القوم ، فوردوا وقالوا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله ، فاتهمهم وقال : لتنتهنّ أو لأبعثنّ إليكم رجلاً هو عندي كنفسي يقاتل مقاتليكم ويسبي ذراريكم ، ثم ضرب بيده على كتف عليّ ( رضي الله عنه ) إه‍ ، وروى ذلك الطبراني في الأوسط كما في مجمع الزوائد 7 : 110 عن جابر بن عبد الله وفيه إنّهم بنو وليعة ، وكان بينهم وبين الوليد شحناء في الجاهلية ثم ساق القصة وقال : وأنزل الله في الوليد : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ ) * الآية . وفي زاد المسير لابن الجوزي قال : نزلت في الوليد بن عقبة . . . وفي تفسير القرطبي 16 : 311 : فأنزل الله تعالى هذه الآية وسمّى الوليد فاسقاً أي كاذباً . ثم قال في ص 312 قال ابن العربي : ومن العجب أن يجوّز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصحّ أن يؤتمن على قنطار دين . قال القرطبي : وهذا إنّما كان أصله أنّ الولاة الذين كانوا يصلّون بالناس لما فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم ، ولا استطيعت إزالتهم صُلي معهم ووراءهم . . . . ثم كان من الناس من إذا صلّى معهم تقية أعادوا الصلاة ، ومنهم من كان يجعلها صلاته . وبوجوب الإعادة . أقول : إن كان ابن العربي عجب من تجويز الشافعي ونظرائه إمامة الفاسق الخ ألا يكون الأعجب والأغرب حين نرى الرازي وهو من جهابذة المفسّرين يقول في تفسيره 7 : 589 ط العامرة بدون حياء : إنّ اطلاق لفظ الفاسق على الوليد شيء بعيد ، لأنّه توهّم وظن فأخطأ ، والمخطئ لا يسمّى فاسقاً كيف والفاسق في أكثر المواضع المراد به من خرج عن ربقة الإيمان لقوله تعالى : * ( إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) * وقوله تعالى : * ( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ) * وقوله تعالى : * ( وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا ) * إلى غير ذلك ، هذا ما قاله الرازي ، فاقرأ واضحك وشر البلية ما يضحك ، فالله تعالى يسمي الوليد فاسقاً وينزل في ذلك قرآناً يتلى إلى يوم القيامة ، والرازي يتأبى من تسميته بالفاسق ، انّه هذا الشيء عجاب ، وليته سلك مسالك قومه من المفسّرين فلم يأت بباقعة ، بعد أن صح نزول الآية في تلك الواقعة ، قال ابن كثير في تفسيره 4 : 208 : وقد ذكر أكثر المفسّرين أنّ هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على صدقات بني المصطلق ، وقد روي ذلك من طرق ، ومن أحسن ما رواه الإمام أحمد في مسنده من رواية ملك بني المصطلق ، وهو الحارث بن ضرار بن أبي ضرار والد ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ( رضي الله عنها ) ، ثم ساق الحديث بطوله إلى أن قال في ص 209 : ورواه ابن أبي حاتم . . . ورواه الطبراني من حديث محمّد بن سابق . . . . وقال ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ( رضي الله عنهما ) في هذه الآية قال : كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بعث الوليد بن عقبة . . . فأنزل الله تبارك وتعالى عذرهم في الكتاب فقال : * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) * إلى آخر الآية . . . . ثم قال ابن كثير في ص 210 : وكذا ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضحاك ومقاتل بن حيان وغيرهم في هذه الآية أنّها نزلت في الوليد بن عقبة ، والله أعلم .
المنتخب من تفسير القرآن والنكت المستخرجة من كتاب التبيان ( موسوعة إبن إدريس الحلي ) — صفحة 160 | ابن إدريس الحلي / السيد محمد مهدي الموسوي الخرسان