وعالم الطبيعة وما فيها ، فاعترفوا واعتقدوا بقضاء عقولهم وفطرتهم بأنّ هذا النظام البديع الذي فيه ملايين من العلل والمعلولات المادّية لا يوجد صدفة ولا يحدث بلا سبب ، وانّ الذي أحدث هذا النظام وخلق هذه الأسباب والمسببات ، هو اللَّه الواحد القهار .
وعلى ذلك ، فالنفي والإثبات لا يتواردان على محل واحد ، فالمادّي صادق في مقاله ، لأنّه فسّر الصانع بالمعنى الذي يصافقه الإلهي في نفيه أيضاً والإلهي أيضاً صادق في إثباته الصانع القادر المدبر المبدع وقد برهنه بما لا مزيد عليه .
غير أنّ لتوهّم المادّي منشأ آخر لأنّه زعم أنّ الوجود يساوق المادّة ، فلو قلنا : إنّه موجود ، معناه أنّه موجود مادّي وبما أنّ الأجهزة الطبيعية ، والمجهرات الكبيرة والآلات المادّية ، لم تتوفّق لاراءة الصانع في المختبرات ، والفلكي مهما أطل بنظره في الجو ودقّق النظر وأجال البصر في مجالي نظره لم ير من الصانع أثراً في مجاليه ، صار كل ذلك مبدأً لنفي هذا الصانع الذي يثبته الإلهي .
غير انّه عزب عن المسكين ، انّ الخالق المادّي والصانع الطبيعي الذي يمكن أن يرى تحت المجاهر أو يُشاهَد فوق التلسكوبات ، ممّا يصافقه الإلهي في نفيه فالذي يعتقده انّما هو الإله الخالق البارئ المبدع المجرّد عن المادّة والمدّة وشرائطها ، لا تدركه العيون ، ولا تمسّه الحواس ، يُستدل بآثاره على وجوده وبنظامه البديع على تحقّقه ، وعندئذ لا يتوارد النفي والإثبات على محل واحد .
فقد بان ممّا ذكرنا أنّ ما يعتقده المادّي في نفي الإله بالمعنى الذي فسّره ( العلّة القائمة مكان العلل الطبيعية المجهولة ) صحيح جداً لكن قبل أن
أصول الفلسفة — صفحة 230
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص٢٣٠