ولا يختلف الإلهي والمادّي في ذاك الأمر ، فإنّ المادّي الذي أذعن وآمن بتأصّل المادّة ونفي التحقّق عن غيرها ، لو وقف في موقف الجواب وسئل عن حقيقة العلم ، تراه يعترف بأنّ مرتبة المعلوم ، مرتبة ترتّب الأثر ومقام العلم ، مقام عدمه ، وإلى هذا ترجع الكلمة الدارجة بين الأساتذة : من أنّ العلم والمعلوم يتّحدان ماهية ويختلفان وجوداً .
ولأجل هذا ، اتّفق أصحاب المسالك الفلسفية من مادّيها وإلهيها على لزوم وجود الرابطة بين العلم ومعلومه ، ولزوم انطباقه على معلومه بحيث تعد الرابطة والانطباق من الأحكام الواضحة للعلم ومعلومه .
وإن شئت قلت : ليست للعلم واقعية سوى كونه كاشفاً عن واقع سواه ، وفرض علم بلا كاشف ، فرض أمر محال كفرض علم كاشف بالفعل ، من دون مكشوف وراءه ، فإنّ الكشف من لوازم العلم ، ولا يعقل تحقّق الملزوم ( العلم ) بلا تحقّق لازمه ( الكشف ) والكاشف والمكشوف متلازمان لا ينفك أحدهما عن الآخر .
سؤال وجواب :
ولعل الاعتراف بالأصل المتقدم : لا واقعية للعلم سوى الكشف عن معلوم سواه ، يقتضي طرح السؤال التالي : وهو أنّ تسلّم الأصل المتقدّم يوجب تصويب آراء الإنسان وإدراكاته ، فانّها علوم ، وحقيقة العلم والإدراك عين الكشف عن الواقع مع أنّ التخلّف فيها أكثر من أن يحصى ويعد « 1 » .
هامش
( 1 ) . للسوفسطائيين استدلالات واهية ، منها تطرّق الخطأ إلى الحسّ الذي هو الطريق الوحيد لاطلاع النفس على ما في خارجها .
قالوا : إنّ الانسان لم تضعه أُمّه عالماً بشيء من الأشياء وإنّما يتطلّع من الخارج بحواسّه التي جهز بها ، والمفروض أنّها ليست مصونة عن الخطأ فمن أين يعتمد على علومه وإدراكاته التي تنتهي إلى الحواس الخاطئة ؟
غير أنّك واقف بقيمة هذه المغالطة في سوق العلم ، ولو فرض أنّ الفيلسوف المعتمد على علومه ، المؤمن بوجود الحقائق الخارجية ، لم يقدر على مكافحة الشبهة بالبرهان فلا شك أنّها مردودة عنده بالوجدان وقضاء الضرورة على خلافها .
لكن الفطاحل من الفلاسفة صاروا بدفع الشيهة ودحضها بوجوه نشير إليها :
( الأوّل ) : انّ الحاسّة وإن خطئت في تشخيص درجة الحرارة في مثال الماء وفي الوقوف على كيفيّة المحسوس كما في الشعلة الجوالة ونظائرها ، لكنّها ليست خاطئة في الدلالة على أنّ للمحسوس وجوداً خارجياً في الجملة ولو سلم الخطأ فإنّما في إرائة كيفية المحسوس أو ماهيته لا في الدلالة على أنّ للمحسوس وجوداً في الجملة ، ولم نجد إلى الآن مورداً أخطأت فيه الحاسّة في كشفها عن وجود المحسوس حتى في السراب الذي يحسبه الظمآن ماءً ، فما يرتئيه السوفسطائي من بيانه هذا من إنكار العوالم الخارجية والحقائق الخارجة عن ذاته وتفكيره لا يثبت بهذا البيان .
( الثاني ) : انّ الخطأ ليس في الإحساس المجرّد ، ولا في نفس الحاسة وإنّما الخطأ إنّما هو في مقام الحكم بأنّ هذا ذاك ، وأمّا نفس الإحساس الذي هو المصدر الوحيد لعلوم النفس ، فلا يتّصف بالخطأ أصلًا .
( الثالث ) : انّ الخطأ ليس في الحسّ والإحساس ، ولا في مقام الحكم والقضاء النفساني بأنّ هذا ذاك ، إذ كل قوّة من القوى تفي بما في ذمّتها من العمل والإدراك فكيف يليق أن ينسب الخطأ إلى القوى ، وأمّا الأخطاء التي طبقت الخافقين وملأت الأسماع فإنّما هي في تطبيق حكم إحدى القوّتين على الأُخرى ، وهذا ما يسمّيه المنطقيون بالخطأ بالعرض لا بالذات ، وهذا ما اختاره الماتن وأوضحه بالمثال فانتظره .
( الرابع ) : ما التجأ إليه المادّيون ومن انتحل نسبية العلوم والإدراكات ، وحاصله : أنّ الخطأ ليس في الحس ولا في الحكم بل كل ما أدركته الحاسّة في عامّة الموارد صواب وحقيقة ، غير أنّ للصدق والصواب والحقيقة عرضاً عريضاً ، وهو الصدق النسبي ، والحقيقة النسبية ، وأنّ الخطأ إنّما في وضع الحقيقة النسبية مكان الحقيقة المطلقة ، ولو توجّه الحاكم بالخطأ إلى أنّ تلك الحقيقة نسبية لا مطلقة لرجع عن قضائه وحكمه بأنّ ما أدركه خطأ ، وهذا عرض إجمالي للأجوبة .