الوقوف مع التبدّل والتغيّر ، ولا يستقران في موقف واحد .
ويمكن سبك البرهان في قالب الاصطلاح فنقول :
حيثية العلم غير حيثية التغيّر والسيلان ، ويترتب عليه تباين سنخ وجود العلم مع وجود المادة .
وإن استصعبت ما مر من البيان فاعطف نظرك إلى بعض أطوار العلم كالتذكّر ، فلا ضير علينا إذا أملينا منه عليك شيئاً طفيفاً ، لعلّه يكفي في إثبات الغاية من المقالة :
لا شك أنّ الإنسان محل النسيان ، ربّما ينسى ما عرفه أو لا ويغيب عنه ما أدركه من قبل ، غير أنّه يستطيع أحياناً أن يسترجع ما نسيه ويستعيد ما غاب عنه ، فيتذكر عين ما كان واقفاً عليه في سالف الزمان بحيث لا يجد فرقاً بين المدركين .
وهذا أوضح دليل على أنّ للصور العلمية ثباتاً وبقاءً ربّما يتوجه الإنسان إليه ويستعيد عين ما كان وعاه ويسترجع الأمر الذي كان نسيه .
وهذا أوضح شاهد على أنّ الصور العلمية مجرّدة عن المادّة وشوائبها ولها وجود غير مادّي قائم بنفسه أو مع القوى الإدراكية .
ولو كانت حقيقة العلوم نفس الآثار المادّية البارزة في الأذهان ، لما كان للتذكّر مفهوم صحيح خصوصاً إذا طالت المدة بين الإدراكين ، فإنّ الدماغ وما فيه يتبدّل ويتحلّل بمرور الزمان ومضيّ بعض سنين ، مثل تبدّل سائر الأعضاء بحيث لا يبقى منها بعد أعوام عديدة عين ولا أثر .
ولو كانت إدراكات الإنسان وعلومه متمركزة في هاتيك الأعصاب بوجود مادّي ، لما كان للتذكّر والاسترجاع مصداق حقيقي بعد فنائها وقيام
أصول الفلسفة — صفحة 150
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٥٠