ومحصله : أنّه يقع في أُفق الفكر بعض المفاهيم العامّة التي لا تأبى من الصدق على كثير ، وهو يقبل الانطباق على غير واحد من أفراده كالإنسان والشجر وقد تداولت تسمية ذلك في الفلسفة الإلهية بالكلّي .
والصورة العلمية من ذلك الكلّي بوصف الكلّية وعدم الامتناع عن الصدق على كثير ، يمتنع أن يتحقّق في المادّة والحال أنّه يصدق على مصاديق كثيرة ، فإنّ الموجود المادّي موجود شخصي وله من الشرائط ( كالزمان والمكان ) حظّه الوافر ، والمقيّد بقيود الزمان والمكان ، يستحيل أن يصدق على مصاديق مختلفة من حيث القيود كما هو شأن الأفراد .
ونحن مع الاعتراف الصريح بأنّ الكلّي له نحو ارتباط بأفراده ومصاديقه لأجل انطباقه عليها ، غير أنّ ذلك لا يصدّنا عن القول بأنّ وجوده غير مشوب بالمادة وآثارها ، يرشدنا إلى ذلك أنّ الكلية وجواز الصدق على كثير ، القائم بالمفهوم الكلّي ، ممّا لا يعقل أنّ يتحقّق في المادّة إذ المادّة والمادّي متعيّنان بالزمان والمكان ، والتعيّن بواحد منهما أو كليهما لا يجتمع مع الكلّية ، فإنّ الكلّي يصدق على مصاديق مختلفة من حيث الزمان والمكان .
وعلى ذلك يحق لنا أن نقول : إنّ المدرك الكلّي كالإنسان موجود في المدارك العقلية ، عار عن شائبة المادّية ، فهو بما أنّه يصدق على كثير ، كلّي . وبما أنّه لا تناله يد التغير ، ثابت . وبما أنّه مرسل من كلّ قيد ، مطلق . وهذه الصفات والخواص ، تهدي الباحث المفكّر إلى القول بتجرّد الفكر وما فيه من المادّة وشؤونها .
أصول الفلسفة — صفحة 148
مساهمون: السيد محمدحسين الطباطبائي
ص١٤٨