تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
فأكثر وأطال ، وتفقه فأتقن مذهب الشافعي ، وبرع في الآدب وجود القرآن بروايات ، وكان اشتغاله بالفقه على أبي الحسن الكيا ، وفي اللغة على الخطيب يحيى بن علي التبريزي اللغوي ، وقصده الناس من الأماكن البعيدة ، وسمعوا عليه وانتفعوا به ، ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله ، وبنى له العادل أبو الحسن علي بن السلار - وزير الظافر العبيدي صاحب مصر مدرسة في الإسكندرية ، وفوضها إليه ومما وجه بخطه من قصيدة لمحمد بن عبد الجبار الأندلسي . لولا اشتغال بالأمير ومدحه * لأطلت في ذاك الغزال تغزلي لكن أوصاف الجلال غلبنني * فتركت أوصاف الجمال بمعزل واستوطن الإسكندرية بضعاً وستين سنة مكباً على الاشتغال والمطالعة والنسخ وتحصيل الكتب ، وجاوز المائة بلا ريب ، وإنما النزاع في مقدار الزيادة ، ومات يوم الجمعة بكرة الخامس ربيع الآخر رحمه الله تعالى . وفيها توفي شمس الدولة الملك المعظم توران شاه بن أيوب بن شاذي ، وكان أسن من أخيه صلاح الدين ، وكان يحترمه ويتأدب معه . أرسله فغزا النوبة ، فسبى وغنم ، ثم بعثه فافتتح اليمن - وكانت بيد الخوارج الباطنية - وأقام بها ثلاث سنين ، بعثه إليها لما بلغه أن باليمن ، إنساناً يسمى عبد النبي بن مهدي يزعم أنه ينتشر ملكه حتى يملك الأرض كلها ، وكان قد ملك كثيراً من بلاد اليمن واستولى على حصونها ، وخطب لنفسه ، فجهز صلاح الدين جيشاً إليها مع أخيه المذكور من الديار المصرية في رجب سنة تسع وستين وخمسمائة ، فمضى إليها ، ففتح الله على يديه ، وقتل الخارجي المذكور الذي كان فيها ، وملك معظمها ، وأعطى وأغنى خلقاً كثيراً ، وكان كريماً أريحياً ، ثم اشتاق إلى أطيب الشام ونضارتها ، وكان القاضي الفاضل يكتب إليه الرسائل الفائقة ، ويودعها شرح الأشواق . وكانت له من أخيه إقطاعات ، وتوابه باليمن يجبون له الأموال . ومات وعليه من الديون مائتا ألف دينار ، فقضاها عنه أخوه صلاح الدين . ولما تزايد به الشوق قدم إلى الشام وأقام بدمشق نائباً لأخيه ، ثم تحول إلى مصر فتوفي بالإسكندرية ، فنقل إلى الشام ، فدفنته أخته ست الشام بمدرستها التي أنشأتها بظاهر دمشق ، فهناك قبره وقبر ولدها حسام الدين ، وكان قد تزوجها ناصر الدين ، وتوفيت في ذي القعدة سنة ست عشرة وستمائة . وحكى الشيخ الأديب الفاضل مهذب الدين أبو طالب - نزيل مصر قال : رأيت في النوم شمس الدولة وهو ميت ، فمدحته بأبيات وهو في القبر ، فلف كفنه ورماه إلي