تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
الصولي في " كتاب أخبار أبي تمام " أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم ، وانتهى إلى قوله ، إقدام عمر والبيت المذكور ، قال أبو يوسف يعقوب بن صباح الكندي الفيلسوف وكان حاضراً لأمر فوق من وصفت . فأطرق قليلاً ثم زاد البيتين المذكورين . ولما أخذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين ، فعجبوا من سرعة فطنته ، قال أبو يوسف وكان فيلسوف العرب : هذا الفتى يموت قريباً ، ثم قال بعد ذلك : وقد روي على خلاف ما ذكرته ، وليس بشيء والصحيح هو هذا ، قال : وقد تبعتها ، وحققت صورة ولاية الموصل ، فلم أجد سوى أن الحسن بن وهب ، ولاه يعني الموصل ، فأقام أقل من سنتين ثم مات بها . وذكر الصولحي : قال له ابن الزيات : يا أبا تمام ، إنك لتجلي شعرك من جواهر لفظك وبديع معانيك ما يزيد حسناتها على الجوهر في أجياد الكواعب ، وما يدخر لك شيء من جزيل المكافآت ، إلا ويقصر عن شعرك في المواساة ، وكان بحضرته فيلسوف فقال له : إن هذا الفتى يموت شاباً ، فقيل له : ومن أين حكمت عليه بذلك . فقال : رأيت فيه من الحدة والذكاء والفطنة مع لطافة الحس وجودة الخاطر ، ما علمت أن النفس والروحانية تأكل جسمه ، كما يأكل السيف المهند غمده قالوا : وكذا كان . لأنه مات وقد نيف على ثلاثين سنة . وقال بعضهم : هذا يخالف ما سيأتي في تاريخ مولده ووفاته ، وذلك أن ولادته كانت في تسعين ومائة ، وقيل ثمان وثمانين ومائة ، وقيل اثنتين وسبعين ومائة ، وقيل اثنتين وتسعين ومائة ، في قرية من بلد الجيد ، بين دمشق وطبرية ونشأ بمصر ، وتوفي بالموصل في سنة إحدى وثلاثين ومائتين ، وقيل سنة ثمان وعشرين ، وقيل تسع وعشرين سنة ، وقيل اثنتين وثلاثين ومائتين . قلت : وهذا الاعتراض ليس بصحيح ، فإنه يصدق كونه نيف على ثلاثين على بعض هذه الروايات ، فإنه على رواية ولادته في سنة اثنتين وتسعين ، وموته في سنة ثمان وعشرين يكون عمره ستاً وثلاثين سنة . قال ابن خلكان : رأيت قبره في الموصل ، وإليه الإشارة بقول ابن عنين : سقى الله روح الغوطتين ، ولا أرى * من الموصلي الفيحاء إلا قبورها قال البحتري : وبنى عليه أبو نهشل بن حميد الطوسي قبة ، وممن رثاه الحسن بن وهب بقوله :
مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 79 | خليل المنصور / عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي