تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
أتى ينظم قول الزور والفند * وأنت أنقص من لا شيء في العدد أسرجت قلبك من غيظ على خنق * كأنها حركات الروح في الجسد أقدمت ويلك من هجوي على خطر * كالعير يقدم من خوف على الأسد وحضر عبد الصمد ، فلما قرأ البيت الأول قال : ما أحسن ، علم بالجدل أوجب زيادة ونقصاناً على معدوم ، ولما نظر إلى البيت الثاني قال : الإسراج من عمل الفراشين ، ولا مدخل له ها هنا ، ولما قرأ البيت الثالث عض " على شفته وقال : فيك قلت ، يعني بقوله فيك : إشارة إلى قوله : " كالعير تقدم من خوف على الأسد " ، لأنهم قد ذكروا في باب انقياد بعض المأكولات لبعض الأكلات أن الحمار يرمي بنفسه على الأسد إذا شم ريحه . وقال بعض العلماء : خرج من قبيلة طيىء ثلاثة ، كل مجيد في بابه : حاتم الطائي في جوده ، وداود بن نصير الطائي في زهده ، وأبو تمام حبيب بن أوس في شعره ، وقد اشتهر أنه لما قال في مدح بعض الخلفاء : إقدام عمرو في سماحة حاتم * في علم أحنف في ذكاء إياس قال له الوزير : أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب ؟ فأطرق ساعة ، ثم رفع رأسه وأنشد : لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلاً سروداً في الندى والناس فالله قد ضرب الأقل لنوره * مثلاً من المشكاة والنبراس الفتيلة : للمصباح والمعنى : يعني قوله : " الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " " النور : 35 ، " ، الآية والنبراس : الفتيلة للمصباح ، والمعنى أنه لما أنكر عليه في تشبيه الخليفة بعمرو بن معد يكرب وبحاتم ، استشعر منهم اللوم في ذلك وعدم الجائزة وانحطاطها ، فافتتح التفكر ملتمساً عذراً في كلام العرب وأشعارهم وأمثالهم ، فلم يجد ما يشفي ، ولا ما يكفي ، فضرب عنان فكرته إلى كتاب الله تعالى وجواهر آية من فاتحته ، إلى أن وجد ما دفع عنه المحذور في سورة النور ، وظفر من الدليل بما يشفي الغليل ، فأعجب من حضره بانفاذ قريحته ، وسرعة . قدح زناد فكرته ، فقال الوزير للخليفة ، أي شيء طلبه أعطيه إياه ، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يوماً ، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكرة ، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر ، فقال الخليفة : ما تشتهي ، قال : الموصل ، فأعطاه إياها ، فتوجه إليها ، وبقي هذه المدة المذكورة ومات ، هكذا قيل : وقال بعض أصحاب التواريخ : هذه القصة لا صحة لها أصلاً ، فقد ذكر أبو بكر