تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
قال : الأصمعي : كنت مع الرشيد في بعض أسفاره ، فعطش ، وقد تقدمته حمولة الثلج ، فأتي بماء من ماء الرحل ، فلما صار في فمه ، مجه فقال له أبو البختري : يا أمير المؤمنين إني كنت ألتمس موضعاً لوعظك ، فلا أقدر عليه ، وقد وجدته ، أفتأذن يا أمير المؤمنين . قال : نعم ، قال : يا أمير المؤمنين ، لو أكلت الطيب والخبيث وشربت الحار والقار ، ولبست اللين والخشن ، لكان أصلح لك ، فإنك لا تدري ما يكون من صروف الزمان ، قال : فانتفخ في ثوبه حتى خلته سمعت أرغته ، ثم سكن فقال : يا أبا البختري ، تلبس هذه النعمة ما لبسنا ؟ فإذا أعوذ بالله زالت عنا رجعنا إلى عود غير حوار . وسأل الرشيد يوماً أهل مجلسه عن صدر هذا البيت : ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه ، فلم يعرفه أحد ، فقال إسحاق الموصلي : الأصمعي عليل ، وأنا أمضي إليه وأسأله عنه ، فقال الرشيد ، احملوا إليه ألف دينار لنفقته ، قال : فجاءت رقعة الأصمعي ، وفيها أنشد في خلق الأحمر لأبي نسناس النهشلي . وسائلته أين الرحيل وساءل * ومن يسأل الصعلوك أين مذاهبه ؟ ودوابه يخشى بها الري سرت * بأبي النسناس فيها ركائبه ليدرك ناراً أو ليكسب مغنماً * جزيلاً وهذا الدهر جم عجائبه وذكر القصيدة كلها ، وقال الأصمعي : بينما أنا مع الرشيد بمكة ، إذ عارضه العمري فقال : يا أمير المؤمنين ، إني أريد أن أكلمك بكلام غليظ ، احتمله لله عز وجل ، فقال : أفعل ، فوالله لقد بعث الله تعالى من هو خير منك إلى من هو شر مني ، فقال : فقولا له ليناً . قلت : ومما يناسب هذا الكلام ما شاع في بلاد اليمن بين العلماء والعوام ، إن الإمام الكبير الولي الشهير إمام الفريقين وموضع الطريقين محمد بن إسماعيل الحضرمي ، قدس الله روحه ، كتب إلى الملك المظفر صاحب اليمن في سقيفة خزف : يا يوسف ، فكتب المد يعاتبه ويقول : أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني . وفي رواية : دع أنك موسى ، ولست بموسى ، وأني فرعون ولست بفرعون ، وقد قال الله عز وجل : " فقولا له قولا ليناً " " طه : 44 ، " أما تكتب إلي في ورقة بفلس ؟ قلت : وقدم ذكر وعظ العمري لهارون في ترجمته . وقال الأصمعي : كنت عند الرشيد بالرقة ، فبعث إلي فقمت وأنا وجل ، . فدخلت هو جالس على بسط ، وإذا كرسي خيزران إلى جانبه وجويرية خماسية جالسة على ذلك