تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الجنان وعبرة اليقظان — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
قال الأصمعي : فنمت والله قد أنسيت أهلي ، وهانت علي الغربة وشطف العيش " يعني خشونته " سروراً بما سمعته . وقال : رأيت بالبادية شيخاً قد سقط حاجباه على عينيه ، فسألته عن سنه فقال : مائة وعشرون سنة ، فقلت : أرى فيك بقية ، فقال : تركت الحسد فبقي علي الحسد ، فقلت له : هل قلت شيئاً ؟ فقال : بيتين في إخواني فاستنشدته فقال : ألا أيها الموت الذي ليس تاركي * أرحني ، فقد أفنيت كل خليل أراك بصيراً بالذين تبيدهم * كأنك تنحو نحوهم بدليل وقال وكان بالبصرة أعرابي من بني تميم ، يطفل أو قال : يتطفل على الناس ، فعاتبته على ذلك ، فقال : والله ما بنيت المنازل إلا لتدخل ، ولا وضع الطعام إلا ليؤكل ، وما قدمت هدية إلا لتقبل ، فأتوقع رسولاً ، وما أكره أن أكون ثقلاً ثقيلاً على من أراه شحيحاً بخيلاً ، وأقتحم عليه مستأنساً ، وأضحك إن رأيته عابساً ، وآكل برغمه ، وأودعه بغمه ، فما أعد للهوات طعام أطيب من طعام لا ينفق عليه درهم ، ولا يعنى فيه خادم ، ثم أنشأ يقول : كل يوماً دور في عرصة الحي * اسم القتار ثم ألف باب فإذا ما رأيت آثار عرس * وختان ومجمع للصحاب لم أودع دون التقحم لا * أرهب دفعاً ونكرت البواب مع أبيات أخرى ، وقال عمرو بن الحارث الحمصي ما رأى الأصمعي مثل نفسه قط ، لقد قال الرشيد يوماً : أنشدونا أحسن ما قيل في العقاب ، فعذر القوم ، ولم يأتوا بشيء ، فقال الأصمعي من أحسنه : باتت بورقها في وكرها شعب * وناهض مخلص الأقرات من فيها ثم استمر بها عزم فحذرها * كأنما الريح هبت من خوافيها ما كان إلا كرجع الطرف أو رجعت * فلا تمطرن مما في أسافيها ثم قال : وهذا امرؤ القيس يقول : كأن قلوب الطير رطباً ويابساً * لدى وكرها العناب والخشف البالي فقال الرشيد : لله درك ما من شيء إلا وجدت عندك فيه شيئاً ، وقال عمرو : دخل العباس بن أحنف على الرشيد ، وعنده الأصمعي ، فقال له : أنشدنا من مكحل العربية ، فأنشده :