فعرضوه عليهم ، فلما نظروا وزرقوه ( 1 ) بأعينهم خروا لوجوههم سجدا
ثم قاموا .
فقالوا لهم : يا ويحكم ! مثل هذا الكوكب الدري والنور المنير
يعرض على أمثالنا ، وهذا والله الحسب الزكي والنسب المهذب
الطاهر ، والله ما تردد إلا في أصلاب زاكية وأرحام طاهرة ، ووالله ما هو
إلا من ذرية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - عليه السلام - ورسول الله - صلى الله
عليه وآله - ، فارجعوا واستقبلوا الله واستغفروه ( 2 ) ولا تشكوا في مثله .
وكان في ذلك [ الوقت ] ( 3 ) سنه خمس وعشرين شهرا ، فنطق
بلسان أذهب ( 4 ) من السيف وأفصح من الفصاحة [ يقول : ] ( 5 ) ( الحمد لله
هامش
( 1 ) زرق الرجل ببصره : حدجه به .
( 2 ) كذا في المصدر ، وفي الأصل : واستغفروا .
( 3 ) من المصدر .
( 4 ) في المصدر : أرهف .
( 5 ) من المصدر ، ولا تعجب عزيزي القارئ من عقول مريضة فجة ، عرضت فرع الدوحة
النبوية المباركة ، وسليل الذرية الطاهرة على القافة ، وشككت في نسبه ، وطعنت في أصله !
وانظر في مقارنة افترائهم على الطيبة أم الجواد إلى ما سبقهم من الفرية - في كتاب الله عز
وجل - على عيسى - عليه السلام - وأمه مريم ، قال تعالى : ( وبكفرهم وقولهم على مريم
بهتانا عظيما ) النساء : 156 .
( قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا - يا أخت هارون ما كان أبوك امرء سوء وما
كانت أمك بغيا - فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا - قال إني عبد الله
آتاني الكتاب وجعلني نبيا - وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما
دمت حيا - وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا - والسلام على يوم ولدت ويوم أموت
ويوم ابعث حيا ) مريم : 27 - 33 .
أقول : عند تدبرنا لما تكلم به النبي عيسى بن مريم - عليه السلام - وهو في المهد - وما
نطق به الإمام ابن الرضا - عليه السلام - وهما يردان على العقول الجاهلة ، تتجلى لنا عدة
أمور ، منها :
أ - إن النبي عيسى - عليه السلام - لم ينسب نفسه فيقول : أنا ابن مريم . . . أو يقول : مثلي
مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون . . . بينما صرح الإمام الجواد عليه السلام قائلا :
أنا محمد بن علي الرضا ابن موسى الكاظم . . . ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ابن
فاطمة الزهراء وابن محمد المصطفى . . . وكان - عليه السلام - قد افتتح كلامه بقوله : ( الحمد لله
الذي خلقنا من نوره بيده ) . . . وبهذا قد وصف أصل خلقه - عليه السلام - بأنه من نور الله تعالى ،
وبيده .
ب - إن النبي عيسى - عليه السلام - اكتفى بقوله : ( إني عبد الله ) بينما أعلن الإمام الجواد
- عليه السلام - بأنه من الذين اصطفاهم الله من خلقه وجعلهم امناءه عليهم ، فقال : ( واصطفانا
من بريته ، وجعلنا أمناءه على خلقه ) كما قال تعالى : ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل
إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض ) آل عمران : 33 و 34 .
ثم ختم - عليه السلام - كلامه رمزا بكلام الله ، فقال : ( واصبر كما صبر أولو العزم من
الرسل . . . ) .
ج - إن النبي عيسى - عليه السلام - قال : ( آتاني الكتاب وجعلني نبيا . . . وأوصاني بالصلاة
والزكاة . . . ) بينما عبر الإمام الجواد - عليه السلام - عن نفسه بأنه أمين الله على وحيه ، وقال :
( إنني لأعلم بأنسابهم من آبائهم . . . علما ورثناه الله قبل الخلق أجمعين ) .
والمقارنات في هذا المجال كثيرة قد تخرجنا عن موضوع الكتاب ، لذا سنكتفي بهذا
المقدار تاركين للقارئ اللبيب إمكانية الغوص في هذا البحر الواسع لاستخراج المزيد من
الدرر ، والوقوف على الكثير من الحقائق التي خص الله بها أهل بيت نبيه صلوات الله عليهم
أجمعين .