أنّ التضادّ بين الحكم الواقعيّ والترخيص إنّما ينبع من حكم العقل بالتنجيز ، حتى مع فرض الترخيص ، فكيف يعقل أن يكون حكم العقل به أجلى من حكم العقل بالتنجيز حتى يستدلّ به عليه ؟ والظاهر أنّ ما أوقعه رحمه اللَّه في هذا الاشتباه هو الخلط بين الارتكاز العقلائيّ والعقليّ [ 1 ] .
ومنها : ما أوردناه على المحقّق النائينيّ قدّس سرّه : من أنّ تنجيزيّة حكم العقل بقبح المعصية لا نتعقّلها بوجه صحيح ، إلَّا بمعنيين ليس لهما أثر فيما نحن فيه ، كما مضى شرح ذلك .
هذا . وللمحقّق العراقيّ قدّس سرّه كلام آخر في إثبات تنجيزيّة حكم العقل ، غير الَّذي ناقشناه حتى الآن [ 2 ] ، وهو أنّه بعد أن تعلَّق العلم بالحكم ، فأيّ أثر يتعقّل للإجمال الموجود في المقام ؟ وكيف يمنع العلم عمّا له من التنجيز الحتميّ ؟ وقال رحمه اللَّه : لا إجمال أصلا في المقام فيما هو موضوع التنجيز ، فإنّه وإن تردّد الأمر بين وجوب الصلاة ووجوب الصوم مثلا ، لكن موضوع حكم العقل بوجوب الطاعة ليس هو أمر المولى بالصلاة بخصوصيّة كونه أمرا بالصلاة - نظير أن يكون موضوع وجوب إطاعة
شرح
[ 1 ] وكأنّ مقصود المحقّق العراقيّ : جعل ارتكاز التضادّ بين الحكم الواقعيّ والترخيص في مورد العلم التفصيليّ شاهدا على تنجيزيّة أثر العلم التفصيليّ ، وبالتالي شاهدا على تنجيزيّة أثر العلم الإجماليّ أيضا ، بعد ما بيّن من أنّ العلم الإجماليّ بالقياس إلى المصبّ القابل للتنجيز تفصيليّ ، فالإشكال عليه بأنّه لا يمكن أن يكون حكم العقل بالتضادّ أجلى من حكمه بالتنجيز ، وينبغي إيراده عليه بلحاظ نفس العلم التفصيليّ ابتداء لا بلحاظ العلم الإجماليّ ، ولولا هذا كان بإمكانه أن يقول في الجواب عن هذا الإشكال : إنّ ارتكاز التضادّ في التفصيليّ أجلى من التنجيز في الإجماليّ .
[ 2 ] الظاهر أنّ المحقّق العراقي رحمه اللَّه يرى هذا الكلام مع الكلام السابق وجها واحدا ، فهو يثبت أنّ العلم الإجماليّ كالعلم التفصيليّ بهذا لبيان الموجود هنا ، ويثبت أنّ العلم التفصيليّ تأثيره تنجيزيّ ، وليس تعليقيّا بالبيان الماضيّ ، ويستنتج من مجموع الأمرين : أنّ تأثير العلم الإجماليّ إذن تنجيزيّ . راجع المقالات : ج 2 ، ص 86 - 87 ، ونهاية الأفكار : القسم الثاني من الجزء الثالث ، ص 305 - 307 .