حكم الشجرتين
أمّا المقام الأوّل : وهو الكلام في حكم نفس الشجرتين فلا إشكال في تنجّز الأحكام التكليفيّة للشجرة المغصوبة ، من قبيل حرمة التصرّف ، للعلم بتمام الموضوع لها ، وهو مال الغير الَّذي لا يأذن في التصرّف ، وإنّما يقع مهمّ الكلام في الضمان ، وأنّه مع تلف إحدى الشجرتين هل يجب ردّ البدل أو لا ؟ وكأنّهم - كما مضى - فرغوا عن أنّ العلم الإجمالي الأوّل علم بما هو تمام الموضوع للضمان ، لأنّ ضمان المال موضوعه هو : أن يكون مال الغير ، وأن يكون تحت يد الإنسان ، وكلا الجزءين محرز في المقام بالعلم الإجمالي الأوّل .
لكن هذا الكلام مبنيّ على خلط شائع في الصناعة الفقهيّة بين الضمان وبين الدين ، بمعنى انشغال الذمّة ، وأن يملك شخص على شخص آخر شيئا ، فقد افترض في كلماتهم - على أساس عدم عزل أحد هذين المفهومين عن الآخر - أنّ الضمان والدين بالمعنى الَّذي قصدناه كأنّهما مفهوم واحد ، ولا فرق بينهما . وهذا الخلط أنتج الخلط بين العهدة التي هي وعاء الضمان ، والذّمّة التي هي وعاء الدين ، فلم يميّز بحسب الصناعة الفقهية بين العهدة والذمّة ، وإن وجد هناك تمييز فإنّهما هو مجرّد تمييز اصطلاحي ، فالتمييز الَّذي فرضته مدرسة المحقّق النائينيّ قدّس سرّه عبارة عن أنّ العهدة وعاء الأعيان ، والذمّة وعاء الأمور الكليّة ، ومثل هذا مجرّد اصطلاح يمكن لكلّ أحد أن يصطلح ذلك .
والتحقيق : أنّه يفترق كلّ منهما عن الآخر فرقا جوهريّا بحسب تكوينهما الاعتباري ، فهذا الوعاء الاعتباري المسمّى بالعهدة أنشئ إنشاء لغرض بحسب الارتكاز العقلائي ، وأمضي شرعا ، والوعاء الآخر أنشئ نشأة أخرى لغرض آخر ، فهما مختلفان تكوّنا وغرضا وعملا ، وبتبعهما يختلف الضمان عن الدين ، ولا مجال هنا للتوسّع في بحث الصناعة الفقهيّة للذمّة والعهدة ، والضمان والدين ، وهو موكول إلى محلَّه في الفقه ، إلَّا أنّنا نقول هنا بنحو الإجمال : إنّ الضمان والدين بالمعنى الَّذي ذكرناه متباينان مفهوما ، والنسبة بينهما عموم من وجه ، من حيث المورد الخارجي ، أمّا من حيث المفهوم فالضمان مرجعه إلى المسؤولية ، والتعهّد والعهدة وعاء للمسئوليات ، وباب الضمان لا يستبطن الملكيّة بوجه أصلا ، والدين مرجعه