الأصل الترخيصيّ في بعض الأطراف في موردين :
المورد الأوّل : ما إذا جعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع ، أي أن يعبّدنا الشارع بأنّه هو الواقع . وهذا ما مضى في ما سبق ، ومضى تحقيق الحال فيه .
المورد الثاني : ما إذا انحلّ العلم الإجماليّ . وأحد أسباب انحلال العلم الإجماليّ عند المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه هو جريان الأصل المثبت للتكليف في أحد الجانبين ، فلا بدّ من أن يجري أوّلا الأصل المثبت في أحد الطرفين ، حتى ينحلّ العلم الإجماليّ ، ثمّ يجري الأصل الترخيصيّ في الجانب الآخر . وهذا ما يأتي بيانه - إن شاء اللَّه - بعد هذا ، مع الإيراد عليه .
الأمر الثاني : أنّ الفقهاء التزموا في هذه المسألة بجريان الأصل في الطرف الأوّل ، ووجوب العمل بالطرف الثاني المترتّب على عدم الطرف الأوّل ، فيجب عليه الحجّ مثلا دون الوفاء بالدين .
وعليه يتّضح وجه كون هذا نقضا على المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه ، فإنّه وإن فرض وجوب الحجّ ، لكن هذا إنّما هو في طول نفي وجوب الوفاء بالدين بالأصل الترخيصيّ ، مع أنّ المفروض عند المحقّق العراقيّ أنّ الأصل الترخيصيّ إنّما يجري بعد أن جعل الطرف الآخر بدلا عن الواقع ، أو ينحلّ العلم الإجماليّ بأصل مثبت في أحد الطرفين ، وهنا جعل البدليّة مفقود ، فلا بدّ أولا من ثبوت وجوب العمل بأحد الطرفين ، حتى ينحلّ العلم الإجماليّ ، فيجري الأصل الترخيصيّ ، لا أن يجري الأصل الترخيصيّ في بعض الأطراف ، ويثبت بعد ذلك وجوب العمل بالطرف الآخر .
وذكر المحقّق العراقيّ رحمه اللَّه في مقام الجواب عن هذا النقض : أنّه تارة يفترض أنّ وجوب الحجّ موقوف على عدم وجوب أداء الدين واقعا ، وأخرى يفترض أنّه موقوف على مطلق عدم الوجوب ولو ظاهرا ، وثالثة يفترض أنّه موقوف على مطلق المعذوريّة عن أداء الدين ، أي : عدم تنجّز ذلك عقلا عليه .
فإن فرض الأوّل فاستصحاب العدم في جانب الدين محكَّم في المقام ، إذ الاستصحاب يدلّ بالمطابقة على ذات المستصحب ، وبالملازمة على آثار المستصحب ، فهنا كما يدلّ على عدم الدين كذلك يدلّ على وجوب الحجّ ، ونحن نأخذ أولا بالدلالة الثانية فينحلّ بها العلم الإجماليّ ، ثمّ نأخذ بالدلالة الأولى .
ولا يرد على المحقّق العراقيّ إشكال تبعيّة الدلالة الالتزاميّة في الحجّيّة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 102
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص١٠٢