الماضي ذكره يرى وجود الأصل النافي في تمام الأطراف ، ولهذا قال بلزوم العمل بتمام تلك الأخبار لتساقط الأصول . وتحقيق الكلام في أنّه هل الأصل النافي مختصّ ببعض الأطراف أو لا ؟ يأتي - إن شاء الله - في بحث دليل الانسداد .
وأمّا الصورة الثانية - وهي فرض كون الخبر ترخيصيا والأصل إلزاميا ، فتحقيق الكلام فيها : أنّ هذا الأصل إمّا هو الاستصحاب ، أو أصالة الاشتغال لانحصار الأصل الإلزاميّ فيهما :
أمّا الاستصحاب - فمثاله ما لو شككنا في جواز دخول الحائض في المسجد بعد النقاء وقبل الغسل ، وفرضنا ورود خبر دلّ على الجواز ، وقابله استصحاب الحرمة . أو شككنا في طهارة الماء المتغيّر بعد زوال تغيره ، وفرضنا ورود خبر دالّ على الطهارة ، وقابله استصحاب النجاسة .
وتحقيق الكلام فيه : أنّه تارة يفرض دليل الاستصحاب خبرا واحدا كسائر الأخبار الآحاد ، وأخرى يفرض دليلا قطعيا . فإن فرض الأول فهذا الاستصحاب ليس حجّة تعبّدية ، لأنّ المفروض عدم دليل على الحجّيّة الشرعية لخبر الواحد ، لكن هذا الحكم الاستصحابي يكون منجّزا بوقوعه طرفا للعلم الإجمالي الأول ، فيقع الكلام في أنّه هل يوجد لدينا مؤمّن في قباله يصحّح لنا رفع اليد عن مقتضي هذا التنجّز أو لا ؟ .
فنقول : أمّا الخبر الدالّ على الترخيص فليس مؤمنا فإنّه وإن كان طرفا للعلم الإجمالي الثاني لكن العلم الإجمالي - كما مضى - لا أثر له في المقام . وأمّا البراءة العقليّة - لو كنّا قائلين بها في نفسها - فلا تكون مؤمّنة أيضا هنا لعدم جريانها مع العلم الإجمالي بالتكليف فإنّ البيان المأخوذ غاية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان يشمل البيان الإجمالي . وأمّا البراءة الشرعية فتارة نفرض أنّ دليلها أيضا خبر الواحد ، وأخرى نفرض أنّ دليلها قطعي :
فإن فرض أنّ دليل البراءة الشرعية خبر الواحد فلا يمكن التمسّك به في
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 610
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٦١٠