والتحقيق : رغم ذلك كلَّه هو الالتزام بحجّيّة الأخبار المخالفة للكتاب بالعموم والخصوص المطلق ، وذلك لأنّ هذا الحديث مخصّص بصحيحة الراوندي ، وهي التي رواها الراوندي بسند تامّ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال : » قال الصادق عليه السلام : إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فردّوه . فإن لم تجدوهما في كتاب الله فاعرضوهما على أخبار العامّة ، فما وافق أخبارهم فذروه ، وما خالف أخبارهم فخذوه « ( 1 ) . فإنّ الظاهر من هذه الصحيحة أنّ كلّ واحد من الحديثين - بقطع النّظر عن التعارض - كان حجّة ، وإلَّا لما كان التعارض موجبا للتحيّر ، ولم تكن حاجة إلى تحكيم الكتاب وأخبار العامّة ورفع التحيّر بذلك ، كما هو ظاهر الصحيحة . فقد دلَّت هذه الصحيحة على حجّيّة الخبر المخالف للكتاب في الجملة بغض النّظر عن خبر آخر معارض له ، وهي لا تدلّ على أزيد من حجّية الخبر المخالف للكتاب بالأخصيّة وما يشبهه ممّا يصلح للقرينيّة ، ولا تشمل مثل المخالفة بالعموم من وجه . إمّا لأنّها قضيّة مهملة ، إذ ليست بصدد بيان الحجّية حتى يكون لها إطلاق ، والمهملة في قوّة الجزئيّة ، فلا بد من الاقتصار على القدر المتيقّن وهو ما ذكرناه ، أو لأنّها بنفسها قضيّة جزئيّة
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 373
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٧٣
شرح
- أمّا ما هو الصحيح من هذه الاحتمالات الثلاثة ، فقد كان مختار أستاذنا الشهيد - رحمه الله - في بحث التعادل والتراجيح حين حضرته هو الاحتمال الأوّل ، فإنّ تقييد مخالفة الكتاب بأمر زائد من فرض الحجّية اللولائية أو الاقتضائية بحاجة إلى مئونة زائدة ، ولكن جاء في كتاب تعارض الأدلَّة ترجيح الاحتمال الثاني ، لأنّ الأمر بطرح ما خالف الكتاب ظاهر في توجيه المكلَّف نحو العمل بالكتاب وهذا إنّما يناسب فرض حجّية الكتاب لولا الخبر المخالف .
أمّا أخذ قيد إضافي وهو تماميّة مقتضى الحجيّة رغم الخبر المخالف فبحاجة إلى إعمال مئونة زائدة مفقودة في المقام .
هامش
( 1 ) الوسائل ج 18 ب 9 من صفات القاضي ح 29 ص 84 . .