وتحقيق هذا التقريب ومدى صلاحيته للمقابلة مع روايات النهي عن التفسير بالرأي لو تمّت دلالتها على مدّعى الأخباري ، هو أنّ هذه الطائفة الآمرة بعرض الشروط على الكتاب إن أريد بالكتاب فيها لفظ الكتاب فهي دالَّة عرفا على أنّ ألفاظ الكتاب لها دلالة ، ويجوز فهمها بحيث يجعل القرآن مقياسا ومعيارا لتمييز الشرط الصحيح عن الفاسد . أمّا إن أريد بالكتاب فيها مدلول الكتاب والمراد منه فهذه الأخبار بنفسها لا تدلّ على كيفيّة تحصيل هذا المدلول ، غاية الأمر لعلّ الإطلاق المقامي والسكوت في مقام البيان مثلا يدلّ على إمضاء الطريقة العرفيّة المتعارفة لاستكشاف المراد ، لكن نفس الكلام لا يدلّ بظهوره اللفظي على أنّ تعيين المدلول والمراد بأيّ شيء يكون ؟ ، وإنّما يدلّ على أنّ الشرط يجب أن لا يكون مخالفا لمدلول الكتاب . وعليه فتلك الأخبار التي يستدلّ بها الأخباريون على أنّ تعيين المراد يكون بلحاظ الروايات لا بإعمال النّظر لو تمّت دلالتها تكون حاكمة على هذه الطائفة ، ومنقّحة لموضوعها ، ومستوجبة لانحصار طريقة معرفة مدلول الكتاب بالروايات [ 1 ] .
شرح
- النسبة بينها وبين روايات المنع عن التفسير بالرأي نسبة العموم من وجه كما مضى ، بل هي كالأخصّ مطلقا ، وبها تخصّص روايات المنع عن التفسير بتفسير المجمل بأحد معانيه أو الظاهر بما هو خلاف ظاهره . والواقع أنّ إشكال كون الحمل على خصوص النصوص حملا على الفرد النادر غير وارد من أساسه فإنّ مسألة لزوم الحمل على الفرد النادر أو تخصيص الأكثر إنّما ترد في العام الَّذي لا تكون نسبته إلى ما خرج أخفّ من نسبته إلى ما بقي باعتبار كون مفهومه مشكَّكا مثلا . أمّا إذا كان كذلك كما لو قال : أكرم العلماء ثم قال : قصدت بذلك من هم وصلوا إلى مستوى الاجتهاد ، لم يرد عليه أنّ هذا تخصيص بالفرد النادر أو استثناء لأكثر الأفراد . وما نحن فيه من هذا القبيل فإنّ مخالفة النص فرد بارز للمخالفة أكثر من مخالفة الظاهر ، والأخذ بالنص فرد واضح من الأخذ بالكتاب أكثر من الأخذ بالظاهر .
[ 1 ] هذا البيان لو تمّ أمكن إسراؤه إلى الطائفة الأولى فيقال : إنّ ما دلّ على الأمر بالأخذ بالكتاب قد يحمل على معنى الأخذ بما هو مراد من الكتاب . وروايات النهي عن التفسير بالرأي