أجاب عنها علماؤنا الأصوليون بما في الكفاية وغيرها من الكتب المتأخرة عنها من أنّ التفسير - كما جاء في كتب اللَّغة - عبارة عن كشف القناع ، ولا قناع في باب الظواهر حتى يكشف فلا تفسير في المقام . ولو سلَّم أنّه تفسير فليس تفسيرا بالرأي بل هو تفسير بالطريقة العرفية العامّة المتّفق عليها .
ولكن الصحيح إنّ هذا المقدار من الجواب لا يكفي في المقام ، فنحن ان لاحظنا الظهورات التصوّرية واللَّغوية فهي وإن كان في كثير من الموارد لا يصدق عليها كشف القناع ، وذلك فيما لو فرض أنّ الوضع اللَّغوي كان ثابتا ثبوتا عرفيا عامّا ، ولكن في بعض الموارد لا يكون الأمر كذلك بل يكون الظهور مقنّعا يقع البحث والخلاف في المعنى الموضوع له ، ويكون المعنى مقنّعا بمقنّعية نفس الظهور والوضع ، ويكشف القناع بإعمال الصناعة لإثبات أنّ هذا اللفظ موضوع للمعنى الفلاني . وسوف يأتي في بحث صغرى حجّية الظهور - إن شاء الله تعالى - بيان أنّه كيف نثبت في بعض الأحيان أصل الوضع بالصناعة في مورد الشكّ .
وإن لاحظنا الظهورات السياقيّة التصديقيّة فالأمر فيها أوضح بكثير فبعض الظهورات السياقيّة ليس عليها قناع ، وبعضها الآخر عليها قناع وبحاجة إلى كشف القناع بالبحث والفحص والاستنباط وإعمال الصناعة ، سنخ ما فعلناه قبل صفحات في تفسير قوله تعالى : ( منه آيات محكمات واخر متشابهات ) ، حيث استخرجنا المراد بضمّ بعض ظواهرها إلى بعض لمعرفة ما يستفاد من المجموع من المعنى المناسب لتمام ظواهر الآية .
فهذا الجواب بحسب الحقيقة ليس جوابا فنيّا في المقام لأنّه لم يلحظ فيه إلَّا الظواهر التي ليس عليها قناع ، ولا يختلف في فهمها أحد ، ولعلّ الأخباريين أيضا لا يقولون بعدم جواز العمل بمثل هذه الظواهر من القرآن . ونحن نجيب على الاستدلال بروايات النهي عن التفسير بالرأي بعدّة وجوه .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الثاني ) — صفحة 232
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٣٢