وأمّا تماميّة سيرة العقلاء دون سيرة المتشرعة فتكون في موارد عديدة ونذكر منها موردا واحدا . ونختار ذلك المورد بالخصوص لكونه بحثا مفيدا لم يطرق عادة ، وهو البحث عن حجّية ظهور الفعل .
فالفعل الصادر من الشخص نتصور له تارة دلالة تكوينية من باب كشف المعلول عن علَّته كدلالة الفعل على الشجاعة أو الجبن ، وهذا
شرح
- الشارع بما هو ذو منصب أو بما هو متكلَّم رضاه بعمل العقلاء في الظهورات . وقد ثبتت أولا بسيرة المتشرعة حجّية هذا الظهور .
هذا ما يستفاد مما نقل عن أستاذنا ( رحمه الله ) في دورته الأخيرة وكأنّه ( رحمه الله ) لم يكن ابتداء بصدد بيان مستقل لفائدة سيرة المتشرعة في مقابل سيرة العقلاء بالنسبة لحجّية الظهور ، ولذا ترى أنّ هذا الكلام يفيد شيئين كل منهما يناسب مقاما :
أحدهما - بيان فائدة للتمسّك بسيرة المتشرعة لا تترتّب على مجرّد سيرة العقلاء ، ويكفي في ذلك القول بأنّه لو لم نبن علي تطبيق قانون استحالة نقض الغرض في المقام إذن لا سبيل لإثبات حجّية الظهور بسيرة العقلاء لأنّها ليست بحاجة إلى الإمضاء ، ولا يمكن استفادة الإمضاء بقانون نقض الغرض لأنّ المفروض عدم التّمسّك به ، ولا بظهور الحال لأنّ الكلام في حجّية الظهور ، ولكن بالإمكان إثبات حجّية الظهور لو قيل بأنّ سيرة المتشرعة لأنّها ليست بحاجة إلى الإمضاء ، ثانيهما - بيان وجه لتعميم حجّية الظهور لو قيل بأنّ سيرة المتشرعة لم تثبت لنا شمولها لكلّ الظهورات بل لها قدر متيقّن وذلك بدعوى إدخال ظهور الحال هذا في القدر المتيقن وإثبات حجّيته ، ثم إثبات حجّية ما هو خارج عن القدر المتيقن بهذا الظهور .
أقول : إنّ إرجاع ظهور الحال هذا إلى الظهورات اللفظية غير صحيح حتى إذا كان ظهور حال للمتكلَّم بما هو متكلَّم . فإنّ هذا ليس ظهور حال بما هو متكلَّم بكلام مشخّص كي يصبح ظهورا لفظيا لذاك الكلام ، وإنّما هو ظهور حال له بما صدرت منه من كلمات كثيرة ، والظهور المقتنص من مجموع عبائر منفصل بعضها عن بعض ، والَّذي هو جديد غير مستبطن ولو بشكل متقطع في مجموع العبائر لا يمكن أن يكون ظهورا لفظيا ، وإنّما هو ظهور حالي . غاية ما هناك أنّ الظهور الحالي للإنسان قد يكون بما له من منصب مثلا وقد يكون بما هو متكلَّم ، وهذا لا يعني دائما أنّه يرجع إلى الظهور اللفظي . إذا عرفت ذلك قلنا : إنّ حجيّة ظهور الحال والفحوى غير الراجعة إلى الظهور اللفظي ليست داخلة في القدر المتيقن لو فرضنا أنّ سيرة المتشرعة لها قدر متيقن وأنّه لم يثبت لنا تحقّقها في كلّ موارد الظهور .