وثالثا - إنّه قد لا تكون ما نراها من سيرة المتشرعة سيرة لهم في الأصل بما هم متشرعة [ 1 ] بل اتفقوا عليها لأمور أخرى غير الشرع بعد أن كان الشرع على خلاف ذلك ، فكان عمل بعضهم لأجل الغفلة ، وبعضهم لأجل النسيان ، وبعضهم جريا على ذوق العقلاء ، والبعض الآخر تقصيرا وهكذا . ثم جاء أبناء هؤلاء ورأوا سيرة آبائهم على ذلك فتخيّلوا صحّة هذا الأمر فعملوا على طبقه واستمرت السيرة على ذلك . وذلك كما في مسألة معاملة الصبيان بناء على بطلانها فإنّ في ذوق العقلاء لا يفرّق في المعاملة بين البالغ والصبي والعاقل . واتفقت سيرة المسلمين على معاملته لا بما هم متشرعة كيف ومشهور العلماء يرون البطلان ؟ بل لأمور متفرّقة من الجري على طبق الذوق ، والجهل بالمسألة ، والغفلة ، والنسيان ، وعدم المبالاة بالدين ، والقصور ، والتقصير ، ثم جاء أولادهم ورأوا أنّ السيرة قائمة على معاملة الصبيان فجروا عليها .
شرح
[ 1 ] كأنّ هذا الوجه ليس إشكالا على أصل اكتشاف ثبوت السيرة في زمن المعصوم ، وإنّما هو إشكال على اكتشاف كونها سيرة لهم بما هم متشرّعة كي تكشف عن حكم الشرع من باب اكتشاف العلة عن طريق المعلول الَّذي هو ميزة سيرة المتشرّعة - على ما سيأتي ( إن شاء الله ) في بحث المرحلة الثانية - فتكون قوّة هذه السيرة كقوّة السيرة العقلائية لا المتشرّعة . ولكن لا يخفى أنّ سيرة المتشرّعة لو ثبتت ولو لم تكن بها هم متشرّعة فهي تمتاز عن سيرة العقلاء بما هم عقلاء بأنّنا لسنا في مقام إثبات إمضائها شرعا بحاجة إلى مقدّمة أنّه لو ردع عنها لوصل الردع إلينا ، بل نفس ثبوتها واستمرارها في زمن الشرع دليل على عدم الردع ، إذ لو ردعت لانهدمت .
ثمّ إنّ ما ذكره ( رحمه الله ) كنكتة لاكتشاف السيرة المعاصرة لزمن المعصوم عن طريق السيرة المعاصرة لزمننا بالنسبة لسيرة المتشرّعة يمكن ذكره أيضا بالنسبة للسيرة العقلائية ، فيقال أيضا :
إنّ تحوّل السيرة العقلائية من النقيض إلى النقيض غريب ، وعدم نقل ذلك لنا أيضا غريب .
ويأتي هنا الجوابان الأولان من الأجوبة التي ذكرها ( رضوان الله عليه ) فيقال : أوّلا - إنّ التحوّل إنّما يكون غريبا لو كان تدريجيا ولم يكن دفعيّا . وثانيا : لئن كان التحوّل في السيرة من النقيض إلى النقيض غريبا فليس من الغريب افتراض أنّ سيرة مّا لم تكن منعقدة بين عقلاء صدر التاريخ ثم تكوّنت بالتدريج .