الأمر مؤخّر رتبة عن الأمر ، فهذا الكلام لا يأتي فيما نحن فيه . إذ لو سلَّم أنّ التحرك في الامتثال التفصيلي الوجداني يكون عن عين الأمر - وغضّ النظر عمّا مضى من أنّ التحرّك فيه تحرّك عن العلم بالأمر الذي هو في طول الأمر أيضا كالاحتمال ، فمن الواضح فيما نحن فيه أنّ التحرّك يكون عن احتمال الأمر . فلو علم إجمالا مثلا بوجوب الظهر أو الجمعة ، وقامت أمارة تعبّديّة على وجوب الظهر ، فصلَّى الظهر كان تحرّكه ناشئا عن احتمال انطباق المعلوم بالإجمال واقعا على الظهر .
ولو فرض أنّ دليل حجّيّة الأمارة يجعل العلم والطريقيّة اعتبارا فإنّ العلم الاعتباري لو كان له أثر فأثره إنّما هو جعل هذا الاحتمال منجزا ، لا كونه بالمباشرة موجبا لتحريك كالعلم الحقيقي ، ولذا لو جعل شيء علما اعتبارا أو تشريعا وكان العبد يقطع بمخالفة ذلك للواقع لم يتحرّك نحو أثر المعلوم قطعا .
وهذا الكلام الذي ذكرناه إنّما هو مشي على مباني المحقّق النّائيني ( رحمه اللَّه ) . أمّا نحن فنقول - على ما سيظهر مفصّلا إنشاء اللَّه - : أنّ هذا الاحتمال كان منجّزا بواسطة العلم الإجمالي . وأثر الأمارة إنّما هو سلب المنجزيّة عن احتمال الطرف الآخر . ولا نجعل هذا إشكالا مستقلا على المحقّق النائيني ( رحمه اللَّه ) لعدم تماميّته على مبانيه [ 1 ] .
وعلى المبنى الثاني وهو وجوب الامتثال التفصيلي خطابيّا أو غرضيّا
شرح
[ 1 ] الظاهر أنّ الإشكال الأوّل أيضا إشكال مبنائي . فإنّ المحقّق النائيني ( رحمه اللَّه ) يرى أنّ العلم الاعتباري كالعلم الوجداني رافع لموضوع قبح العقاب بلا بيان ، وأنّ المقصود بالبيان هو الوصول والعلم . وللوصول والعلم فردان ، فرد وجداني ، وفرد اعتباري .
فصحيح ما أورده أستاذنا الشهيد ( رحمه اللَّه ) من أنّ الأمارة إنّما تجعل الاحتمال منجّزا ولذا لو جعل المولى شيئا علما اعتبارا مع القطع بمخالفته للواقع لم يكن محرّكا . إلَّا أنّ هذا أيضا إشكال مبنائي وليس بنائيا .