فكيف صرّح في صدر كلامه بأنّ كلَّ مقرَّر ومجعول حكمٌ ؟ ! .
وحاصل كلامه : أنّ كلّ حكم مجعولٌ ، وليس كل مجعول حكماً . ومن هنا صرّح في كلامه بأنّ ما ليس بمجعول لا يصح إطلاق الحكم عليه ، كما عرفت من خلال كلامه .
ولعلّ من هذا القبيل ، الأجر ; حيث إنّ الأجر كما ليس من قبيل الحكم قطعاً ; لعدم معهودية كونه حكماً في اصطلاح الفقهاء ، كذلك ليس بمجعول ; لوضوح أنّ الأجر مما يؤتى ويُعطى ، لا مما يُجعل ويوضع ، كما يشهد لذلك قوله : ( يؤتكم الله أجراً حسناً ) وقوله : ( فسيؤتيه أجراً حسناً ) ( 1 ) . فلا ترى في آية من القرآن استعمال لفظ الجعل في مورد الأجر . وهذا شاهد على عدم تعلق الجعل بالأجر . والسرّ فيه أنّ الأجر من الواقعيات الخارجية ، لا من الاعتباريات . نعم مقدار الأجر الموعود على كثير من الفرائض والمندوبات مجعول ، لكنه خارج عن حدّ الحكم وتعريفه ، كما هو واضحٌ .
ورابعاً : إنّ تعريفه الحكم الوضعي بكل مقرّر شرعي ما عدا الحكم التكليفي ليس مانعاً ; نظراً إلى نقضه بموارد عديدة كالمناصب الشرعية والماهيات المخترعة والأجور المقدّرة بمالها من المقادير الموعودة على الفرائض والمندوبات ، وغيرها ، فانّها من المجعولات الشرعية لكن لم يُعهد في اصطلاح الفقهاء كونها من قبيل الأحكام .
وخامساً : إنّ الإباحة وإن ليست من قبيل التكليف ، لكنها لمّا تتعلّق - على أيّ حال - بفعل المكلّف ، ولو على نحو الترخيص في الفعل والترك ، ألحقت بالأحكام التكليفية ; نظراً إلى اشتراكها مع ساير الأحكام التكليفية في تعلّقها بالفعل ابتداءً وأولا
هامش
( 1 ) الفتح : 10 و 16 .