تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المبسوط — صفحة 273

مساهمون:

ص٢٧٣
بل ليس لأهل البغي أن يتعرضوا لهم ، لا لأن الأمان صح لهم لكن لأنهم قد بذلوا لهم الأمان ، وإن كان فاسدا لزمهم الكف عنهم لسكونهم إليهم واعتمادهم على قولهم . قالوا أليس عندكم أن عقد الأمان يصح من آحاد المسلمين كيف لم يصح من أهل البغي ؟ قلنا لم يصح لمعنى آخر ، وهو أنهم شرطوا ما يبطله .
وأما إن استعانوا بأهل الذمة فعاونوهم وقاتلوا معهم فهل ينتقض ذمتهم أو لا ؟ نظرت ، فإن ادعوا عذرا وذكروا شبهة ، فإن قالوا ما قاتلناكم طائعين بل مكرهين مقهورين ، فالقول قولهم ، وهكذا لو قالوا القتال مع أهل البغي ظننا أن طائفة من المسلمين إذا طلبوا المعونة إعانتهم جائزة ، فالقول قولهم ، وكان هذا شبهة في بقاء ذمتهم ، وثبوت عهدهم . وأما إن قاتلوا عالمين بذلك فإنه ينتقض ذمتهم عندنا ، وقال قوم لا ينتقض والأول أصح لأنهم لو انفردوا بقتال أهل العدل نقضوا العهد ، فكذلك إذا قاتلوهم مع أهل البغي . هذا إذا لم يشترط في أصل العهد لهم الكف عن القتال نطقا فأما إن كان مشروطا نطقا وخالفوه نقضوا الذمة ، فكل موضع قلنا انتقض العهد فهل يقتلون أو يسبون أو يردون إلى دار الحرب ؟ قد بيناه في السير ، ومتى قلنا ما انتقض عهدهم فهم كأهل البغي لا يتبع مدبرهم ولا يدفف على جريحهم كأهل البغي سواء .
فأما إن أتلفوا نفوسا وأموالا ضمنوها عندنا كما قلنا في أهل البغي ، ومن قال لا ضمان على أهل البغي أوجب على أهل الذمة الضمان ، والفرق بينهما أن الله أمرنا بالصلح بين الطائفتين ولم يذكر ضمان الدم والمال ، والطائفتان مؤمنتان ، وليسوا ها هنا كذلك ، والفرق الآخر أن الضمان سقط من أهل البغي لأن في تضمينهم تنفيرهم وبقائهم على المخالفة والمباينة ولهذا سقط عنهم الضمان ، وليس كذلك أهل الذمة ، لأنا قد أمنا هذا فيهم فلا يخاف تنفيرهم ولا مقامهم على المعاندة ، فلهذا ضمناهم .