قالوا هذه المسألة محالة لا يتصور على قول من لا يسمع الدعوى إلا محررة ،
ولا يسمع الشهادة ممن شهد بها قبل أن يستشهد ، والآخران قد شهدا قبل أن يستشهدا ،
فكيف يسمعها الحاكم ، ويرجع إلى المدعي فيسأله عن حال الكل ؟
قال قوم إنا لا نسمع الشهادة من الشاهد قبل أن يستشهد ، إذا كان المشهود له
بالغا عاقلا بالغا رشيدا فأما إن كان ممن لا يعبر عن نفسه لصغر أو جنون أو لميت ،
فإنها يقبل لأنه لو حضر الشاهدان ابتداء فشهدا عند الحاكم بحق لصبي سمعها
وعمل بها ، وحكم للصبي بالحق ، فإذا كان كذلك فالشهادة ههنا لمن لا يعبر عن نفسه
وهو الميت ، والدليل على أن الحق له أنه إذا ثبت قضى منه ديونه وتنفذ وصاياه فلهذا
قبلت ، وعلى هذا كل من شهد لميت بحق سمعت شهادته قبل أن يستشهد .
ومنهم من قال الشهادة بالحق على ضربين أحدهما رجل له حق له به شاهدان
يعرفهما فشهدا له به قبل أن يستشهدهما ، فهذه مردودة ، والثاني رجل له شاهدان بحق
ولا يعرف الحق فشهدا له به أو عرف الحق ولم يعرف أن له به شهودا فشهدا له به
قبل أن يستشهدهما ، فقد فعلا خيرا واكتسبا ثوابا وفضلا ، لأنهما عرفاه ما لم يعرفه
من حقه ، وعلى هذا قوله عليه وآله السلام : خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد ،
فكذلك ههنا ما كان الولي يعلم أن له بحقه هؤلاء الشهود ، فشهدوا له به فلهذا سمعها
الحاكم وسأل الولي .
ومنهم من قال شهد الآخران قبل أن يستشهدا ، وقد عرف الحق بذلك وعلمه
وكان بالغا عاقلا والحاكم قد سمع ذلك وسأل الولي عنهما ، لأن القتل يحتاط له
بحفظ الدماء ، فإذا قال الآخران القاتلان هما الأولان وأوردا شبهة فلهذا سمع .
فإذا ثبت هذا فالمسألة صحيحة من هذه الوجوه ، فإذا سأل الحاكم الولي عن ذلك
ففيها ثلاث مسائل أحدها صدق الولي الأولين ، فالحاكم يحكم بشهادتهما ويقتل الآخرين ،
لأنهما شهدا وهما عدلان على حق لا يجران بشهادتهما خيرا ولا يدفعان ضررا
ولا يتهمان على الآخرين .