فلمّا بلّغ الرسالة يومئذ بنصّه على عليّ بالإمامة ، وعهده إليه بالخلافة ، أنزل اللّه عزّ وجلّ عليه : «
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً
» « 1 » ( 1 ) بخّ بخّ «
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
» « 2 » إنّ من نظر إلى هذه الآيات بخع لهذه العنايات .
3 - وإذا كانت العناية من اللّه - عزّ وجلّ - على هذا الشكل ، فلا غرو أن يكون من عناية رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ما كان ، فإنّه لمّا دنا أجله ، ونعيت إليه نفسه ، أجمع بأمر اللّه تعالى على أن ينادي بولاية عليّ في الحجّ الأكبر على رؤوس الأشهاد ، ولم يكتف بنصّ الدار يوم الإنذار بمكّة ، ولا بغيره من النصوص المتو الية - وقد سمعت بعضها - فأذّن في الناس قبل الموسم أنّه حاجّ في هذا العام حجّة الوداع ، فوافاه الناس من كلّ فجّ
أحدهما عن أبي سعيد ، والآخر عن أبي رافع . ورواه الإمام إبراهيم بن محمّد الحمويني الشافعي في كتابه الفرائد « 3 » بطرق متعدّدة عن أبي هريرة . وأخرجه الإمام أبو إسحاق الثعلبي في معنى الآية من تفسيره الكبير « 4 » بسندين معتبرين .
وممّا يشهد له أنّ الصلاة كانت قبل نزولها قائمة ، والزكاة مفروضة ، والصوم كان مشروعا ، والبيت محجوجا ، والحلال بيّنا ، والحرام بيّنا ، والشريعة متّسقة ، وأحكامها منسّقة ، فأيّ شيء غير ولاية العهد يستوجب من اللّه هذا التأكيد ، ويقتضي الحضّ على بلاغة بما يشبه الوعيد ؟ وأيّ أمر غير الخلافة يخشى النبيّ الفتنة بتبليغه ، ويحتاج إلى العصمة من أذى الناس بأدائه ؟
شرح
( 1 ) صحاحنا في نزول هذه الآية بما قلناه متواترة من طريق العترة الطاهرة « 5 » ، فلا ريب فيه ، وإن روى البخاري أنّها نزلت يوم عرفة « 6 » ، وأهل البيت أدرى .
هامش
( 1 ) - . المائدة 3 : 5 .
( 2 ) - . الجمعة 4 : 62 .
( 3 ) - . فرائد السمطين 77 : 1 ، ح 44 ، الباب 13 .
( 4 ) - . الكشف والبيان 92 : 4 ، ذيل الآية 67 من سورة المائدة 5 .
( 5 ) - . صحيح البخاري 1683 : 4 ، ح 4330 .
( 6 ) - . للمزيد راجع البرهان 223 : 2 - 247 ، ذيل الآية 3 من سورة المائدة 5 .