لمجرّد صدق ألسنتهم ، وإنّما احتملوهم لعدم استغنائهم عنهم ؛ إذ لو ردّوا حديثهم لذهبت عليهم جملة الآثار النبويّة ، كما اعترف به الذهبي في ترجمة أبان بن تغلب من ميزانه « 1 » ، وأظنّ أنّ المغيرة ما قال : أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعمشكم إلّا لكونهم شيعيّين ، وإلّا فإنّ أبا إسحاق والأعمش كانا من بحار العلم وسدنة الآثار النبويّة .
وللأعمش نوادر تدلّ على جلالته ، فمنها ما ذكره ابن خلّكان في ترجمته من وفيات الأعيان ، قال :
بعث إليه هشام بن عبد الملك أن اكتب لي مناقب عثمان ومساوئ عليّ ، فأخذ الأعمش القرطاس وأدخلها في فم شاة فلاكتها ، وقال لرسوله : قل له هذا جوابه .
فقال له الرسول : إنّه قد آلى أن يقتلني إن لم آته بجوابك ، وتوسّل إليه بإخوانه . . . ، فلمّا ألحّوا عليه كتب له :
بسم اللّه الرحمن الرحيم . أمّا بعد . . . فلو كان لعثمان مناقب أهل الأرض ما نفعتك ، ولو كان لعليّ مساوئ أهل الأرض ما ضرّتك ، فعليك بخويصة نفسك ، والسلام « 2 » .
ومنها ما نقله ابن عبدالبرّ في باب حكم قول العلماء بعضهم في بعض من كتابه جامع بيان العلم وفضله ( 1 ) عن عليّ بن خشرم قال :
سمعت الفضل بن موسى يقول : دخلت مع أبي حنيفة على الأعمش نعوده ، فقال أبو حنيفة : يا أبا محمّد ، لولا التثقيل عليك ، لعدتك أكثر ممّا أعودك ، فقال له الأعمش :
واللّه إنّك عليَّ لثقيل وأنت في بيتك ، فكيف إذا دخلت عليَّ ! .
- قال : - قال الفضل : فلمّا خرجنا من عنده ، قال أبو حنيفة : إنّ الأعمش لم يصم رمضان قطّ ، قال ابن خشرم للفضل : ما يعني أبو حنيفة بذلك ؟
قال الفضل : كان الأعمش يتسحّر على حديث حذيفة « 3 » . انتهى .
شرح
( 1 ) راجع ص 199 من مختصره للعلّامة الشيخ أحمد بن عمر المحمصاني البيروتي .
هامش
( 1 ) - . ميزان الاعتدال 6 : 1 ، الرقم 2 .
( 2 ) - . وفيات الأعيان 400 : 2 ، الرقم 271 بنقص .
( 3 ) - . جامع بيان العلم وفضله : 390 ، الرقم 1908 - 1909 .