فإن معنى الحصور هو الذي يحبس نفسه أو يحصرها عن النكاح .
وقد عاش هذا النبي عليه السلام في عزوبة طيلة حياته قربة إلى اللَّه عزّ وجلّ إلى أن قتلته جلاوزة الدولة الرومانية ، البيزنطية .
كما أنه من المحتمل أن عددا من الأنبياء السابقين كانوا على هذا الغرار . ومن المعلوم أن سلوك الأنبياء سلوك صالح بل ينبغي الاقتداء به والاحتذاء له .
وبهذا يكون هذا الدليل - لو تمّ - معارضا للأدلة الدالة على استحباب الزواج ، والتي سنعرض طرفا منها بعد ذلك .
إلَّا أن هذا الدليل غير تام لعدة وجوه :
الوجه الأول : إن الفهم المشهور هو أن المراد من ( الحصور ) هو تارك الزواج .
إلَّا أنه يمكن أن يقال : إن الحصور بمعنى ذلك الذي يحصر نفسه ويصبّرها على مختلف المصاعب وليس خصوص الزواج . ويكفينا . أن نقول : إنه إذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال .
ولا شك عمليا أو تاريخيا أن النبي يحيى عليه السلام ، كما كان حصورا في النكاح كان تاركا لكل أشكال الدنيا ، وكان من أزهد الأنبياء يأكل الجشب ويلبس المسوح ويقضي الليالي الطوال متهجدا خارج العمران . فلعله أنه إنما سمي حصورا لأجل مجموع هذه الصفات وليس للنكاح خاصة . وإذا دخل الاحتمال بطل الاستدلال .
الوجه الثاني : إن يحيى عليه السلام عاش قبل الإسلام . فمن الممكن أن يكون ترك الزواج مستحبا في ذلك الحين ، وهذا لا يعني ثبوته في الإسلام . بل يمكن أن يكون العكس ثابتا فيه ، طبقا لتغير الحكم والمصالح . وشريعة الإسلام ناسخة لما قبلها .
وهذا هو الذي مال إليه المحقق الحلي قائلا : بأن المدح بذلك في شرع غيرنا لا يلزم منه وجوده في شرعنا .
ويمكن أن يجاب على ذلك : بأنه خلاف إطلاق الآية ، فإن كل المدائح الواردة في حقه عليه السلام * ( ( سَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ) ) * واردة في
ما وراء الفقه — صفحة 96
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٩٦