عقولا تكون بها عالمة عامدة مختارة وقادرة وفاعلة .
وهذا ، بالرغم من غرابته في الأذهان الاعتيادية ، هو المشهور بين الفلاسفة الإسلاميين وكثير من اليونايين وغيرهم . حتى أنهم أخذوا الأمر مسلما في حل عدد من المشاكل الفلسفية والعقائدية .
وقد استدلوا على ذلك بعدة أدلة نذكر بعضها :
الدليل الأول : حركات النجوم والكواكب ، وهي حركات مرئية بالوجدان . فما هي علتها الفاعلية وما هي علتها الغائية أي الهدف من وراء الحركة .
يجيب الملتزمون بظاهر الشريعة : إن العلة الفاعلية هو اللَّه سبحانه على نحو القسر للكواكب والنجوم . والعلة الغائية هو معرفة الحساب من عدد السنين والشهور وغيرها ، كما نص القرآن الكريم * ( لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ) * .
غير أن الفلاسفة لا يرون هذا كافيا ، فاللَّه سبحانه وإن كان هو الفاعل لكل شيء ، ولكن يحتاج الأمر إلى علة أخرى بين الخلق نفسه هي التي سميناها ( بما به الوجود ) . كما أن العلة الغائية المذكورة مربوطة بالبشر فما هي العلة المربوطة بالكواكب نفسها .
ومن هنا قالوا : في العلة الفاعلية هو الاختيار ، يعني هي التي تسير باختيارها وإرادتها . وقالوا في العلة الغائية هي ما نسميه بلغة المتشرعة :
بطاعة اللَّه عز وجل . وبلغة الفلاسفة التكامل نحو الكمال المطلق . ومعنى ذلك أن جهدها في حركاتها هذه تريد به التكامل والتسامي في هذا الطريق .
ومن هنا أثبتوا للأفلاك نفوسا ناطقة كالنفوس البشرية ، وأضافوا أنها طريق التأثير من العلل العليا إلى العلل الدنيا ، يعني أن لها نحوا من أنحاء التوسط في العلية . وأن الفلك الأعلى تنطبع فيه بقدرة اللَّه سبحانه مقادير سنة كاملة ، ولا تزال تنزل إلى حيز التطبيق إلى نهاية السنة ، باختيار وفاعلية الفلك نفسه .
ما وراء الفقه — صفحة 43
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٤٣