إني خلق بشرا من طين ( 71 ) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له
ساجدين ) [ ص : 71 ] وهو بعد الحياة الانسانية - وليس الخلوية - الذي يمنحه
الحق تبارك وتعالى للانسان ، وهو ما يزال في بطن أمه ، عندما يرسل إليه الملك
فينفخ فيه الروح . وقد بين ذلك أيضا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " ثم يرسل إليه الملك
فينفخ فيه الروح " ( 1 ) وذلك بعد ( 120 ) يوما ، أي بعد أربعة أشهر ، وهذا ما يطابق
معطيات العلم الحديث .
وهكذا نفهم ذلك البعد الذي خص الله به الانسان ، فلم يعد مجرد عناصر
أولية لا تساوي في قيمتها سوى بضع ليرات في ميزان البيع والشراء ، كما لم يعد
مجرد مجموعة خلوية حية ، بل ميزه عن باقي مخلوقاته يوم جمع بين المادة والروح
في خلقه ، وبذلك كان الانسان خليفة الله في أرضه ، ومهبط وحيه ورسالاته ،
وحامل أمانته قال تعالى : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض
والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان ) [ الأحزاب : 72 ]
الظلمات الثلاث :
قال تعالى : ( يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمت
ثلث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون ) [ الرمز : 6 ]
في الوقت الذي تتعرض فيه الخلايا المضغية للأطوار التي ذكرناها ، يكون
هناك ما يسمى بالخلايا المغذية التي تأخذ على عاتقها تأمين الغذاء والهواء
لحصول الحمل ، ثم يتشكل منها ملحقات الجنين والتي منها ، هذه الأغشية
الثلاثة التي تحيط ببعضها وهي من الداخل إلى الخارج :
هامش
( 1 ) عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق
" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل
إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد . . . " رواه البخاري
ومسلم . والحمد لله الذي بين وبعد مئات السنين صدق قول الرسول بالحجة والربهان الساطع ، علما بأن هذا الحديث
الصحيح ، هو الحديث الوحيد الذي يرد قبله قول : الصادق المصدوق .