ولكن نقول لهم : لماذا لا يكون الأمر بالعكس ؟ بتقريب أن وظيفتهم كان
المسح المحدود ، فاجتهدوا في مقابل النص فغسلوا أو مسحوا جميع أرجلهم
حتى الأعقاب فهددهم الرسول ( صلى الله عليه وآله ) بقوله : " ويل للأعقاب من النار أسبغوا الوضوء "
أي أسبغوه في حدوده وكما أمركم الله ؟ .
ويؤيده ما ثبت عنه ( صلى الله عليه وآله ) أنه قال : " لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما
أمره الله عز وجل يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، ويمسح برأسه ورجليه إلى
الكعبين " . وغيرها من الروايات كما سيأتي إن شاء الله تعالى .
فظهر أن الشارع أمرنا بإسباغ الوضوء في حد معين وهو غسل الوجه واليدين
إلى المرفقين ، ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين . هذا إذا كنا نتماشى مع القوم
بأن المراد بالأعقاب في الخبر : أعقاب الأرجل لا الأعقاب من الرجال .
والجهة الثالثة : هي أن المستفاد من اللفظ المتفق عليه غير ذلك ، فإن الراوي
يقول : ( تخلف النبي ( صلى الله عليه وآله ) عنا في سفرة سافرناها ) هذه السفرة كان بعيد نزول آية
المائدة عند رجوعهم من مكة إلى المدينة في حجة الوداع كما قال الحافظ ابن
الحجر ( 1 ) .
ثم يقول الراوي : ( فأدركنا وقد أرهقنا العصر ) يعني أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) أدركهم في
حال تأخيرهم صلاة العصر إلى أن دنا وقت المغرب ، فحثهم على المبادرة
والمسارعة لإقامة الصلاة فنادى بأعلى صوته : " ويل للأعقاب من النار " . وكرره
مرتين أو ثلاث مرات ، أي ويل للأعقاب الذين يؤخرون الصلاة ويقيمونها بعد
مضي وقتها . كما قال مفسرو القوم حول قوله : * ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم
ساهون ) * ( 2 ) أي غافلون ، يؤخرونها عن وقتها تهاونا .
قال السيوطي : أخرج أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم
والطبراني في الأوسط وابن مردويه والبيهقي في سننه عن سعد ابن أبي وقاص ،
هامش
( 1 ) فتح الباري 1 : 213 .
( 2 ) الماعون : 4 - 5 .