ثم تقدم علي بن الحسين الأكبر ( ع ) وهو ابن عثمان عشر سنة ، ويقال ابن خمس
وعشرون ، وكان يشبه برسول الله صلى الله عليه وآله خلقا وخلقا ونطقا وجعل يرتجز ويقول
أنا علي بن الحسين بن علي * من عصبة جد أبيهم النبي
نحن وبيت الله أولى بالوصي * والله لا يحكم فينا ابن الدعي
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي * أطعنكم بالرمح حتى ينثني
طعن غلام هاشمي علوي
فقتل سبعين مبارزا ، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات فقال : يا أبة العطش ،
فقال الحسين : يسقيك جدك ، فكر أضا عيهم وهو يقول :
الحرب قد بانت لها حقائق * وظهرت من بعدها مصادق
والله رب العرش لا نفارق * جموعكم أو تغمد البوارق
فطعنه مرة بن منقذ العبدي على ظهره غدرا فضربوه بالسيف ، فقال الحسين :
على الدنيا بعدك العفا ، وضمه إلى صدره وأتى به إلى باب الفسطاط ، فصارت أمه
شهربانويه وهي تنظر إليه ولا تتكلم ، فبقي الحسين وحيدا وفي حجره علي الأصغر
فرمي إليه بسهم فأصاب حلقه ، فجعل الحسين يأخذ الدم من نحره فيرميه إلى السماء فما
يرجع منه شئ ، ويقول : لا يكون أهون عليك من فصيل ( ناقة صالح ) ، ثم قال : ائتوني
بثوب لا يرغب فيه ألبسه غير ثيابي لا أجرد فاني مقتول مسلوب ، فأتوه بتبان فأبى
أن يلبسه وقال : هذا لباس أهل الذمة ، ثم أتوه بشئ أوسع منه دون السراويل
وفوق التبان فلبسه ، ثم ودع النساء وكانت سكينة تصيح فضمها إلى صدره وقال :
سيطول بعدي يا سكينة فاعلمي * منك البكاء إذا الحمام دهاني
لا تحرقي قلبي بدمعك حسرة * ما دام مني الروح في جثماني
وإذا قتلت فأنت أولى بالذي * تأتينه يا خيرة النسوان
ثم برز ( ع ) فقال : يا أهل الكوفة قبحا لكم وترحا ، وبؤسا لكم وتعسا ، حين
استصرختمونا ولهين ، فأتيناكم موجفين ، فشحذتم علينا سيفا كان في أيماننا ،
وحششتم لأعدائكم من غير عدل أفشوه فيكم ، ولا ذنب كان منا إليكم ، فهلا لكم
الويلات إذ كرهتمونا ، تركتمونا والسيف مشيم ، والجأش طامن ، والرأي لما
يستحصد ، لكنكم أسرعتم إلى بيعتنا كسرع الدبا ، وتهافتم إليها كتهافت الفراش ،
ثم نقضتموها سفها وضلة ، وفتكا لطواغيت الأمة ، وبقية الأحزاب ، ونبذة الكتاب ،
ثم أنتم تتخاذلون عنا وتقتلونا ، ألا لعنة الله على الظالمين .
مناقب آل أبي طالب — صفحة 257
مساهمون: ابن شهر آشوب
ص٢٥٧