وجلس أَبو عثمان إِلى أَبي عبيدة فجاءه رجل فسأَله فقال له : كيف تأْمر من قولنا عُنِيتُ بحاجتك ؟ فقال له أَبو عبيدة : أُعْنَ بحاجتي ، فأَوْمأْتُ إِلى الرجل أَنْ ليس كذلك ، فلما خَلَوْنا قلت له : إِنما يقال لِتُعْنَ بحاجتي ، قال : فقال لي أَبو عبيدة لا تدخُلْ إِليّ ، قلت : لِمَ ؟ قال : لأَنك كنت مع رجل دوري سَرَقَ مني عامَ أَولَ قطِيفةً لي ، فقلت : لا والله ما الأَمر كذلك ، ولكنَّك سمعتني أَقول ما سمعت ، أَو كلاماً هذا معناه .
وحكى ابن الأَعرابي وحده : عَنِيتُ بأَمره ، بصيغة الفاعل ، عنايةً وعُنِيّاً فأَنا به عَنٍ ، وعُنِيتُ بأَمرك فأَنا مَعْنِيٌّ ، وعَنِيتُ بأَمرك فأَنا عانٍ .
وقال الفراء : يقال هو مَعْنِيٌّ بأَمره وعانٍ بأَمره وعَنٍ بأَمره بمعنى واحد .
قال ابن بري : إِذا قلت عُنِيتُ بحاجتك ، فعدَّيتُه بالباء ، كان الفعلُ مضمومَ الأَولِ ، فإِذا عَدَّيتَه بفي فالوجه فتحُ العين فتقول عَنِيت ؛ قال الشاعر :
إِذا لمْ تَكُنْ في حاجةِ المَرءِ عانِياً * نَسِيتَ ، ولمْ يَنْفَعْكَ عَقدُ الرَّتائمِ
وقال بعض أَهل اللغة : لا يقال عُنِيتُ بحاجتك إِلا على مَعْنى قصَدْتُها ، من قولك عَنَيْتُ الشيء أَعنِيه إِذا كنت قاصِداً له ، فأَمَّا من العَناء ، وهو العِنايةُ ، فبالفتح نحوُ عَنَيتُ بكذا وعَنَيت في كذا .
وقال البطليوسي : أَجاز ابن الأَعرابي عَنِيتُ بالشيء أَعنَى به ، فأَنا عانٍ ؛ وأَنشد :
عانٍ بأُخراها طَويلُ الشُّغْلِ ، * له جَفِيرانِ وأَيُّ نَبْلِ
وعُنِيتُ بحاجتك أُعْنى بها وأَنا بها مَعْنِّيٌّ ، على مفعول .
وفي الحديث : مِنْ حُسنِ إِسلامِ المَرْءِ تَرْكُه ما لا يَعْنِيه أَي لا يُهِمُّه .
وفي الحديث عن عائشة ، رضي الله عنها : كان النبيُّ ، صلى الله عليه وسلم ، إِذا اشْتَكى أتاه جبريلُ فقال بسْمِ الله أَرْقِيكَ من كلِّ داءٍ يَعْنيك ، من شرِّ كلِّ حاسدٍ ومن شرِّ كلِّ عَين ؛ قوله يَعْنِيك أَي يشغَلُك .
ويقال : هذا الأَمر لا يَعْنِيني أَي لا يَشْغَلُني ولا يُهِمُّني ؛ وأَنشد :
عَناني عنكَ ، والأَنْصاب حَرْبٌ ، * كأَنَّ صِلابَها الأَبْطالَ هِيمُ
أَراد : شَغَلَني ؛ وقال آخر :
لا تَلُمْني على البُكاء خَلِيلي ، * إِنه ما عَناكَ قِدْماً عَناني
وقال آخر :
إِنَّ الفَتى ليس يَعْنِيه ويَقمَعُه * إِلَّا تَكَلُّفُه ما ليس يَعْنِيه
أَي لا يَشْغَله ، وقيل : معنى قول جبريل ، عليه السلام ، يَعْنِيكَ أَي يَقْصِدُك .
يقال : عَنَيْتُ فلاناً عَنْياً أَي قَصَدْتُه .
ومَنْ تَعْني بقولك أَي مَنْ تَقْصِد .
وعَنانِي أَمرُك أَي قَصَدني ؛ وقال أَبو عمرو في قوله الجعدي :
وأَعْضادُ المَطِيّ عَوَاني
أَي عَوامِلُ .
وقال أَبو سعيد : معنى قوله عَوَاني أَي قَواصِدُ في السير .
وفُلانٌ تَتَعَنَّاه الحُمَّى أَي تَتَعَهَّده ، ولا تقال هذه اللفظة في غير الحُمَّى .
ويقال : عَنِيتُ في الأَمر أَي تَعَنَّيْتُ فيه ، فأَنا أَعْنى وأَنا عَنٍ ، فإِذا سألت قلت : كيف مَن تُعْنى بأَمره ؟ مضموم لأَن الأَمْرَ عَنَّاه ، ولا يقال كيف مَنْ تَعْنَى بأَمره .
وعانى الشيءَ : قاساه .
والمُعاناةُ : المُقاساة .
يقال :
لسان العرب — صفحة 105
مساهمون: ابن منظور
ص١٠٥