عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أَنه قال : أَنا بَرِيءٌ من كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ ، قيل : لِمَ يا رسول الله ؟ قال : لا تَراءَى نَارَاهُما ؛ قال ابنُ الأَثِير : أَي يَلْزَمُ المُسْلِمَ ويجب عليه أَن يُباعِدَ مَنْزِلَه عن مَنْزِل المُشْرِك ولا يَنْزِل بالموضع الذي إِذا أُوقِدَتْ فيه نارُه تَلُوح وتَظْهَرُ لِنَارِ المُشْرِكِ إِذا أَوْقَدَها في مَنْزِله ، ولكنه يَنْزِل معَ المُسْلِمِين في دَارِهِم ، وإِنما كره مُجاوَرَة المشركين لأَنهم لا عَهْدَ لهم ولا أَمانَ ، وحَثَّ المسلمين على الهِجْرة ؛ وقال أَبو عبيد : معنى الحديث أَنَّ المسلم لا يَحِلُّ له أَن يَسْكُنَ بلادَ المُشْرِكين فيكونَ مَعَهم بقْدر ما يَرَى كلُّ واحدٍ منهم نارَ صاحِبه .
والتَّرَائِي : تفاعُلٌ من الرؤية .
يقال : تَراءَى القومُ إِذا رَأَى بعضُهُم بعضاً .
وتَراءى لي الشيءُ أَي ظَهَر حتى رَأَيْته ، وإِسناد التَّرائِي إِلى النَّارَيْن مجازٌ من قولهم دَارِي تَنْظُر إِلى دارِ فلان أَي تُقابِلُها ، يقول ناراهما مُخْتَلِفتانِ ، هذه تَدْعو إِلى الله وهذه تدعو إِلى الشيطان ، فكيف تَتَّفِقانِ ؟ والأَصل في تَراءَى تَتَراءَى فحذف إِحدى التاءين تخفيفاً .
ويقال : تَراءَينا فلاناً أَي تَلاقَيْنا فَرَأَيْتُه ورَآني .
وقال أَبو الهيثم في قوله لا تَراءَى نارَاهُما : أَي لا يَتَّسِمُ المُسْلِم بسِمَةِ المُشْرِك ولا يَتَشَبَّه به في هَدْيِه وشَكْلِه ولا يَتَخَلَّق بأَخْلاقِه ، من قولك ما نَارُ بَعِيرِكَ أَي ما سِمةُ بعِيرِكَ .
وقولهم : دَارِي تَرَى دارَ فلانٍ أَي تُقابِلُها ؛ وقال ابن مقبل :
سَلِ الدَّار مِنْ جَنْبَيْ حَبِيرٍ ، فَواحِفِ ، * إِلى ما رأَى هَضْبَ القَلِيبِ المصَبَّحِ
أَراد : إِلى ما قابَلَه .
ويقال : مَنازِلُهم رِئَاءٌ على تقدير رِعَاء إِذا كانت مُتَحاذِيةً ؛ وأَنشد :
لَيالِيَ يَلْقَى سرْبُ دَهْماء سِرْبَنَا ، * ولَسْنا بِجِيرانٍ ونَحْنُ رِئَاءُ
ويقال : قَوْمِ رِئَاءٌ يقابلُ بعضُهُم بعضاً ، وكذلك بُيوتُهُم رِئَاءٌ .
وتَرَاءَى الجَمْعانِ : رَأَى بعضُهُم بعضاً .
وفي حديث رَمَلِ الطَّوافِ : إِنما كُنَّا راءَيْنا به المشركين ، هو فاعَلْنا من الرُّؤْية أَي أَرَيْناهم بذلك أَنَّا أَقْوِياء .
وفي حديث النبي ، صلى الله عليه وسلم : إِنَّ أَهلِ الجَنَّةِ ليَتَراءَوْنَ أَهلِ عِلِّيِّين كما تَرَوْنَ الكَوْكَب الدُّرِّيَّ في كَبِدِ السماء ؛ قال شمر : يتَراءَوْنَ أَي يتَفاعَلون أَي يَرَوْنَ ، يَدُلُّ على ذلك قولُه كما تَرَوْن .
والرَّأْيُ : معروفٌ ، وجمعه أَرْآءٌ ، وآراءٌ أَيضاً مقلوب ، ورَئِيٌّ على فَعِيل مثل ضَأْنٍ وضَئِينٍ .
وفي حديث الأَزرق بن قيس : وفِينا رجُلٌ له رَأْيٌ .
يقال : فلانٌ من أَهل الرَّأْي أَي أَنه يَرَى رَأْيَ الخوارج ويقول بمَذْهَبِهم ، وهو المراد ههنا ، والمُحَدِّثون يُسَمُّون أَصحابَ القياسِ أَصحابَ الرَّأْي يَعْنُون أَنهم يأْخذون بآرائِهِم فيما يُشْكِلُ من الحديث أَو ما لم يَأْتِ فيه حديث ولا أَثَرٌ .
والرَّأْيُ : الاعتِقادُ ، اسمٌ لا مصدرٌ ، والجمع آراءٌ ؛ قال سيبويه : لم يكَسَّر على غير ذلك ، وحكى اللحياني في جمعه أَرْءٍ مثل أَرْعٍ ورُئِيٌّ ورِئِيُّ .
ويقال : فلان يتَراءَى بِرَأْيِ فلان إِذا كان يَرَى رَأْيَه ويَمِيلُ إِليه ويَقْتَدي به ؛ وأَما ما أَنشده خَلَفٌ الأَحمر من قول الشاعر :
أَما تَراني رَجُلاً كما تَرَى * أَحْمِلُ فَوْقي بِزَّنِي كما تَرَى
على قَلُوص صعبة كما تَرَى * أَخافُ أَن تَطْرَحَني كما تَرَى
لسان العرب — صفحة 300
مساهمون: ابن منظور
ص٣٠٠