لا يَرْفَعُ الطَّرْفَ ، إلا ما تَخَوَّنَه * دَاعٍ ، يُنادِيه باسمِ الماء ، مَبْغُومُ
قال أَبو منصور : ليس معنى قوله إلا ما تَخَوَّنه حجةً لما احتج له ، إنما معناه إلا ما تَعَهَّده ، قال : كذا روى أَبو عبيد عن الأَصمعي أَنه قال : التَّخَوُّنُ التعهد ، وإنما وصفَ وَلَدَ ظَبْيةٍ أَوْدَعْته خَمراً ، وهي تَرْتَع بالقُرْب منه ، وتتعهده بالنظر إليه ، وتُؤنسه ببُغامِها ، وقوله باسم الماء ، الماءُ حكاية دعائها إياه ، وقال داع يناديه فذكَّره لأَنه ذهب به إلى الصوت والنداء .
وتَخَوَّنه وخَوَّنه وخَوَّن منه : نقَصه .
يقال : تَخَوَّنني فلانٌ حقي إذا تنَقَّصَك ؛ قال ذو الرمة :
لا بَلْ هو الشَّوْقُ من دارٍ تخَوَّنَها * مَرّاً سَحابٌ ، ومَرّاً بارِحٌ تَرِبُ
وقال لبيد يصف ناقة :
عُذَافِرَةٌ تُقَمِّصُ بالرُّدَافَى ، * تَخَوَّنَها نُزولي وارْتِحالي .
أَي تنَقَّص لحمَها وشَحْمَها .
والرُّدَافَى : جمعُ رَدِيفٍ ، قال ومثله لعبْدَةَ بن الطَّبيب :
عن قانِئٍ لم تُخَوِّنْه الأَحاليلُ
وفي قصيد كعب بن زهير :
لم تُخَوِّنْه الأَحاليلُ
وخَوَّنه وتخَوَّنه : تعَهَّدَه .
يقال : الحُمَّى تخَوَّنه أَي تعَهَّدُه ؛ وأَنشد بيت ذي الرمة :
لا يَنْعَشُ الطَّرْفَ إِلا ما تَخَوَّنَه .
يقول : الغزال ناعِسٌ لا يرفع طرفه إلا أَن تجيءَ أُمه وهي المتعهدة له .
ويقال : إلا ما تنَقَّصَ نومَه دُعاءُ أُمِّه له .
والخَوَّانُ : من أَسماء الأَسد .
ويقال : تخَوَّنته الدُّهورُ وتخَوَّفَتْه أَي تنَقَّصَتْه .
والتَّخوُّن له معنيان : أَحدهما التَّنقُّصُ ، والآخر التَّعُهُّدُ ، ومن جعله تَعَهُّداً جعل النون مبدلة من اللام ، يقال : تخَوَّنه وتخَوَّله بمعنى واحد .
والخَوْنُ : فَتْرة في النظر ، يقال للأَسد خائنُ العين ، من ذلك ، وبه سمي الأَسد خَوَّاناً .
وخائِنةُ الأَعْيُنِ : ما تُسارِقُ من النظر إلى ما لا يَحِلُّ .
وفي التنزيل العزيز : يَعْلَمُ خائنةَ الأَعْيُنِ وما تُخْفي الصُّدُور ؛ وقال ثعلب : معناه أَن ينظر نظرةً بريبة وهو نحو ذلك ، وقيل : أَراد يعلم خيانةَ الأَعين ، فأَخرج المصدر على فاعلة كقوله تعالى : لا تسمع فيها لاغِيَةً ؛ أَي لَغْواً ، ومثله : سمعتُ راغِيَةَ الإِبل وثاغِيَةَ الشاءِ أَي رُغاءها وثُغاءها ، وكل ذلك من كلام العرب ، ومعنى الآية أَن الناظر إذا نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه نظر خيانةٍ يُسِرُّها مسارقة علمها الله ، لأَنه إذا نظر أَول نظرة غير متعمد خيانة غيرُ آثم ولا خائن ، فإِن أَعاد النظر ونيتُه الخيانة فهو خائن النظر .
وفي الحديث : ما كان لنبيٍّ أَن تكونَ له خائنةُ الأَعْيُن أَي يضمر في نفسه غيرَ ما يظهره ، فإِذا كف لسانه وأَومأَ بعينه فقد خان ، وإذا كان ظهور تلك الحالة من قِبَل العين سميت خائِنَةَ العين ، وهو من قوله عز وجل : يعلم خائنة الأَعين ؛ أَي ما يَخُونون فيه من مُسارقة النظر إلى ما لا يحل .
والخائِنةُ : بمعنى الخيانة ، وهي من المصادر التي جاءت على لفظ الفاعلة كالعاقبة .
وفي الحديث : أَنه رَدَّ شهادَةَ الخائن والخائنة ؛ قال أَبو عبيد : لا نراه خَصَّ به الخِيانةَ في أَمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وأْتمنهم عليه ، فإِنه قد سمى ذلك أَمانة فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تَخُونوا الله والرسولَ وتَخُونوا أَماناتكم ؛ فمن ضَيَّع شيئاً مما أَمر الله به أَو رَكِبَ شيئاً مما نَهى عنه فليس ينبغي أَن يكون عدلاً .
لسان العرب — صفحة 145
مساهمون: ابن منظور
ص١٤٥