يشبهونها بمذ إِذا رفعت في قولك ما رأَيته مذ أَمْسُ ، ولما كانت أَمس معربة بعد مذ التي هي اسم ، كانت أَيضاً معربة مع مذ التي هي حرف لأَنها بمعناها ، قال : فبان لك بهذا غلط من يقول إن أَمس في قوله :
لقد رأَيت عجبا مذ أَمسا
مبنية على الفتح بل هي معربة ، والفتحة فيها كالفتحة في قولك مررت بأَحمد ؛ وشاهد بناء أَمس إِذا كانت في موضع نصب قول زياد الأَعجم :
رأَيتُكَ أَمْسَ خَيْرَ بني مَعَدٍّ ، * وأَنت اليومَ خَيْرٌ منك أَمْسِ
وشاهد بنائها وهي في موضع الجر وقول عمرو بن الشَّريد :
ولقدْ قَتَلْتُكُمُ ثُناءَ ومَوْحَداً ، * وتَرَكْتُ مُرَّةَ مِثْلَ أَمْسِ المُدْبِرِ
وكذا قول الآخر :
وأَبي الذي تَرَكَ المُلوك وجَمْعَهُمْ ، * بِصُهابَ ، هامِدَةً كأَمْسِ الدَّابِرِ
قال : واعلم أَنك إِذا نكرت أَمس أَو عرَّفتها بالأَلف واللام أَو أَضفتها أَعربتها فتقول في التنكير : كلُّ غَدٍ صائرٌ أَمْساً ، وتقول في الإِضافة ومع لام التعريف : كان أَمْسُنا طَيِّباً وكان الأَمْسُ طيباً ؛ وشاهده قول نُصَيْب :
وإِني حُبِسْتُ اليومَ والأَمْسِ قَبْلَه * ببابِك ، حتى كادَتِ الشمسُ تَغْرُب ( 1 ) قال : وكذلك لو جمعته لأَعربته كقول الآخر :
مَرَّتْ بنا أَوَّلَ من أُمُوسِ ، * تَمِيسُ فينا مِشْيَةَ العَرُوسِ
قال الجوهري : ولا يصغر أَمس كما لا يصغر غَدٌ والبارحة وكيف وأَين ومتى وأَيّ وما وعند وأَسماء الشهور والأُسبوع غير الجمعة .
قال ابن بري : الذي حكاه الجوهري في هذا صحيح إِلا قوله غير الجمعة لأَن الجمعة عند سيبويه مثل سائر أَيام الأُسبوع لا يجوز أَن يصغر ، وإِنما امتنع تصغير أَيام الأُسبوع عند النحويين لأَن المصغر إنما يكون صغيراً بالإِضافة إِلى ما له مثل اسمه كبيراً ، وأيام الأُسبوع متساوية لا معنى فيها للتصغير ، وكذلك غد والبارحة وأَسماء الشهور مثل المحرّم وصفر .
أنس : الإِنسان : معروف ؛ وقوله :
أَقَلْ بَنو الإِنسانِ ، حين عَمَدْتُمُ * إِلى من يُثير الجنَّ ، وهي هُجُودُ
يعني بالإِنسان آدم ، على نبينا وعليه الصلاة والسلام .
وقوله عز وجل : وكان الإِنسانُ أَكْثَرَ شيء جَدَلاً ؛ عنى بالإِنسان هنا الكافر ، ويدل على ذلك قوله عز وجل : ويُجادِلُ الذين كفروا بالباطل لِيُدْحِضُوا به الحقَّ ؛ هذا قول الزجّاج ، فإِن قيل : وهل يُجادل غير الإِنسان ؟ قيل : قد جادل إِبليس وكل من يعقل من الملائكة ، والجنُّ تُجادل ، لكن الإِنسان أَكثر جدلاً ، والجمع الناس ، مذكر .
وفي التنزيل : يا أَيها الناسُ ؛ وقد يؤنث على معنى القبيلة أَو الطائفة ، حكى ثعلب : جاءَتك الناسُ ، معناه : جاءَتك القبيلة أَو القطعة ؛ كما جعل بعض الشعراء آدم اسماً للقبيلة وأَنت فقال أَنشده سيبويه :
شادوا البلادَ وأَصْبَحوا في آدمٍ ، * بَلَغوا بها بِيضَ الوُجوه فُحُولا
والإِنسانُ أَصله إِنْسِيانٌ لأَن العرب قاطبة قالوا في تصغيره : أُنَيْسِيانٌ ، فدلت الياء الأَخيرة على الياء في تكبيره ، إِلا أَنهم حذفوها لما كثر الناسُ في كلامهم .
هامش
( 1 ) ذكر هذا البيت في صفحة - 8 - وفيه : وإِني وقفت بدلاً من : وإني حبست . وهو في الأَغاني : وإني نَوَيْتُ .