عن الماهية ، الذي كان وجود الموجودات ذوات الماهيات بأسرها من
شؤون ذاته وآثاره ، وأفعاله ، ورحمته الواسعة ، المعبر عنها بالفيض
المقدس المنبسط على الماهيات ، بمقتضى حب ذاته ، وعلمه الكمالي
الذي هو عين ذاته .
وبعد ما ثبت بهذه الوجوه والطرق ، كون العالم الجسماني ،
ذا مبدء ، خالق ، قادر ، حكيم ، منزه عن كونه جسما وجسمانيا ، أعني
أمرا وقوة حالة في جسم ، فهو منزه عن صفات الأجسام وخواصها
وعوارضها ، من المكان ، والزمان ، والحد ، والقرب والبعد المكانيين ،
بل هو محيط بظواهر الموجودات وبواطنها ، بالعلم والقدرة ، علما
شهوديا ، لا صوريا - خياليا أو عقليا - لأنه يدرك جميع الأشياء ويشاهده
بذاته ، ولذلك لا يثقل حفظ الموجودات عليه تعالى ، لأن كل الموجودات
صور علمية له ، قائمة بذاته قياما صدوريا ، والمعلوم لا يثقل على العالم
به ، كما قال سبحانه في الكتاب الكريم : " ولا يؤده حفظهما وهو العلي
العظيم ( 1 ) وقال " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا
إن أمسكهما من أحد من بعده " ( 2 ) .
ولخلوصه عن شوب الماهية التي هي ظلمة في ذاتها ، وصرافته
في النورية ، لا ثاني له ، لأنه كلما فرض له ثان ونظر إليه فهو هو ، لأن
إلا ثنينية تحتاج إلى الامتياز ، ولا امتياز ، فهو أحد واحد لا نظير له ،
ويمتنع بحكم العقل أن يكون متعددا ، كما أن مركز الدائرة لا بد
أن يكون واحدا ، وإلا كان غير ذلك الواحد خارج المركز ، لا مركزا ،
كما قرر في محله .
هامش
1 - سورة البقرة آية 255 .
2 - سورة فاطر آية 41 .