الثاني من الأمور الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وآله إتيانه بالكتاب
العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلا من حكيم
حميد ، وإنما فردناه عن غيره من المعجزات ، لأنه أقوى دلالة منها
على نبوته ، ولكونه معجزة باقية له صلى الله عليه وآله إلى يوم القيامة ، والكلام
تارة في دلالة ، وأخرى في وجه إعجازه .
أما الأول فبيانه : أنه صلى الله عليه وآله ادعى النبوة ، وأتى بالقرآن الكريم
متحديا به ، وطل من قومه وأهل زمانه المعارضة ببيانات مختلفه ،
وعبارات متفاوتة ، وجعل عجزهم عن الاتيان بمثله دليلا على أنه نزل
عليه بوحي من الله عز وجل ، وأنه صلى الله عليه وآله مبعوث من عند ربه ، فدعاهم
أولا إلى الإتيان بمثل القرآن ، ثم وسع عليهم وقنع منهم بأن
يأتوا بعشر سور مثل سوره ، ثم سهل الأمر عليهم فرضي عنهم
بإتيان سورة واحدة من مثله ، ثم صرح بعد ذلك بعجزهم بل عجز الخلق
من الإنس والجن على الاتيان بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ،
وواضح أنهم لو كانوا متمكنين من الإتيان بمثله بل بمثل سورة منه
لأتوا به ، لأنهم كانوا متهالكين في إبطال أمره صلى الله عليه وآله ، ويتوسلون
بكل حيلة في تكذيبه ورده ، ويعادونه أشد المعادات ، إذ هو صلى الله عليه وآله قام
بين أظهرهم ، فعاب آلهتم ودينهم ، وسفه أحلامهم ، وشتت أمرهم ،
وفرق جماعتهم ، وذم آبائهم وأسلافهم بكفرهم ، ودعاهم إلى توحيد
الله تعالى وعبادته ، وأمرهم بطاعته سبحانه وطاعة نفسه ، وهم كانوا
مشهورين بغاية العصبية والحمية في حفظ آرائهم السخيفة ، وعاداتهم
الباطلة ، ورسوم أسلافهم الجاهلية ، ومعروفين بسفك دمائهم في طريق
الفخر والمباهات ، والدفاع عن الأحساب والأنساب ، فعدم إتيانهم بمثل
لوامع الحقائق في أصول العقائد — صفحة 44
مساهمون: ميرزا أحمد الآشتياني
ص٤٤