تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مغنى اللبيب — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
فإن ظاهره تفضيل زيد في العقل على الكذب ، وهذا لا معنى له ، ونظائر هذا التركيب كثيرة مشهورة الاستعمال ، وقل من يتنبه لأشكالها ، وظهر لي فيها توجيهان : أحدهما : أن يكون في الكلام تأويل على تأويل ، فيؤول أن والفعل بالمصدر ، ويؤول المصدر بالوصف ، فيؤول إلى المعنى الذي أراده ولكن بتوجيه يقبله العلماء ، ألا ترى أنه قيل في قوله تعالى ( وما كان هذا القرآن أن يفترى ) إن التقدير : ما كان افتراء . ومعنى هذا ما كان مفترى . وقال أبو الحسن في قوله تعالى ( ثم يعودون لما قالوا ) : إن المعنى ثم يعودون للقول ، والقول في تأويل المقول : أي يعودون للمقول فيهن لفظ الظهار ، وذلك هو الموافق لقول جمهور العلماء : إن العود الموجب للكفارة العود إلى المرأة لا العود إلى القول نفسه كما يقول أهل الظاهر ، وبعد فهذا الوجه عندي ضعيف ، لان التفضيل على الناقص لا فضل فيه ، وعليه قوله : 790 - إذ أنت فضلت امرأ ذا براعة * على ناقص كان المديح من النقص التوجيه الثاني : أن " أعقل " ضمن معنى أبعد فمعنى المثال زيد أبعد الناس من الكذب لفضله من غيره ، فمن المذكورة ليست الجارة للمفضول ، بل متعلقة بأفعل ، لما تضمنه من معنى البعد ، لا لما فيه من المعنى الوضعي ، والمفضل عليه متروك أبدا مع أفضل هذا لقصد التعميم ، ولولا خشية الاسهاب لأوردت لك أمثلة كثيرة من هذا الباب لتقف منها على العجب العجاب . الجهة الرابعة : أن يخرج على الأمور البعيدة والأوجه الضعيفة ، ويترك الوجه القريب والقوى ، فإن كان لم يظهر له إلا ذاك فله عذر ، وإن ذكر الجميع فإن قصد بيان المحتمل أو تدريب الطالب فحسن ، إلا في ألفاظ التنزيل فلا يجوز أن يخرج إلا على ما يغلب على الظن إرادته ، فإن لم يغلب شئ فليذكر الأوجه المحتملة من